إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٤٩٠ - مستدرك خطبة له عليه السلام في مجلس معاوية
و اعلم أن المتقين ذهبوا بعاجل الدنيا و آجل الآخرة، فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم و لم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم، سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، و أكلوها بأفضل ما أكلت، فحظوا من الدنيا بأفضل ما حظي به المترفون، و أخذوا منها أفضل ما أخذه الجبابرة المتكبرون، ثم انقلبوا عنها بالزاد المبلغ و المتجر الرابح، أصابوا لذة زهد الدنيا في دنياهم، و تيقنوا أنهم جيران اللّه غدا في آخرتهم، لا ترد لهم دعوة و لا ينقص لهم نصيب من لذة.
و احذر الموت و قربه و أعد له عدته، فانه يأتي بأمر عظيم و خطب جليل، بخير لا يكون معه شر أبدا، و شر لا يكون معه خير أبدا، فما أقرب إلى الجنة من عمل لها، و ما أقرب إلى النار من عالها.
و اعلم أنكم طرداء الموت، ان أقمتم له أخذكم، و ان فررتم منه أدرككم، و هو ألزم لكم من ظلكم، فانه معقود بنواصيكم، و الدنيا تطوى من خلفكم، و احذروا نارا قعرها بعيد و حرها شديد و عذابها حديد، دار ليس فيها رحمة، و لا يسمع فيها دعوة، و لا يفرج فيها كربة، و لا يرحم فيها عبرة، و ان استطعتم أن يشتد خوفكم من اللّه و أن يحسن ظنكم به فاجمعوا بينهما، فان العبد إنما يكون حسن ظنه بربه على قدر خوفه منه، و ان أحسن الناس ظنا باللّه أشدهم خوفا له.
و اعلم يا معاوية اني صالحتك على أن تخالف نفسك و تناصح دينك و لا تسخط اللّه برضى أحد من خلقه، فان للّه خلفا من غيره و ليس من اللّه خلف في غيره، وصل الصلاة لوقتها الموقت لها، و لا تعجل وقتها لفراغ و لا تؤخرها عن وقتها لاشتغال، و اعلم أن كل شيء من عملك تبع صلاتك، فانه لا سواء إمام الهدى و إمام الردى و ولي النبي و عدو النبي، و لقد سمعت جدي رسول اللّه (ص) يقول: اني لا أخاف أمتي مؤمنا و لا مشركا، أما المؤمن فيمنعه اللّه بإيمانه، و أما المشرك فيمنعه اللّه بشركه، و لكني أخاف عليكم كل منافق الجنان عالم اللسان، يقول ما تعرفون و يفعل ما تنكرون، فلا تغرنكم الحياة الدنيا و لا يغرنكم باللّه الغرور.