التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ٨٦
وأمّا الأمر الثاني : فلأ نّا لو سلّمنا أن كلمة "حتى" تعليلية فلا يمكننا التعدِّي عمّا له مادّة وهو البئر إلى غيره مما لا مادّة له ، فإن التعليل ربّما يكون بأمر عام كما ورد [١] في الخمر من أنّ الله لم يحرّم الخمر لاسمه بل لخاصيته التي هي الاسكار ، وفي مثله لا مانع من التعدِّي إلى كل مورد وجد فيه ذلك الأمر لأ نّه العلّة للحكم فيدور مداره لا محالة . واُخرى يكون التعليل بأمر خاص فلا مجال للتعدي في مثله أصلاً كما هو الحال في المقام فإنّه (عليه السلام) علل حكمه هذا بذهاب الريح وطيب طعمه ، والمراد بالريح هو ريح ماء البئر خاصة لقوله قبل ذلك : "إلاّ أن يتغيّر ريحه ...." فإن الضمير فيه كالضمير في قوله : ويطيب طعمه يرجعان إلى ماء البئر لا إلى مطلق الماء ، ومع اختصاص التعليل لا وجه للتعدي عن مورده ، بل مقتضى إطلاق قوله (عليه السلام) "لا يفسده شيء إلاّ أن يتغيّر ..." أن تغيّر ريح الماء أو طعمه يوجب التنجيس مطلقاً سواء أزال عنه بعد ذلك أم لم يزل ، نظير إطلاق ما دلّ على نجاسة ملاقي النجس ، فإنّه يقتضي نجاسة الملاقي مطلقاً سواء أشرق عليه الشمس مثلاً أم لم تشرق وسواء أ كانت الملاقاة باقية أم لم تكن ، وكذا إطلاق ما دلّ على عدم جواز التوضؤ بما تغيّر ريحه أو طعمه [٢] ، فإنّه باطلاقه يشمل ما إذا زال عنه التغير أيضاً ومن هنا لا نحكم بجواز التوضؤ من مثله .
وعلى الجملة لا يمكن التعدي من الصحيحة إلى غير موردها لاختصاص تعليلها ولا أقل من احتمال التساوي والاجمال ، فلا يبقى حينئذ في البين ما يقتضي طهارة المتغيّر بعد زوال تغيّره بنفسه ، حتى يعارض التمسك بالاطلاقين المقتضيين لنجاسته فالترجيح إذن مع الأدلّة الدالّة على نجاسته .
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] في صحيحة علي بن يقطين عن أبي الحسن الماضي قال : "إن الله عزّ وجلّ لم يحرم الخمر لاسمها ولكن حرمها لعاقبـتها" وفي رواية اُخرى : "حرمها لفعلها وفسـادها" ، الوسائل ٢٥ : ٣٤٢ / أبواب الأشربة المحرمة ب ١٩ ح ١ ، ٣ .
[٢] كما في صحيحة حريز ، وروايتي أبي بصير ، وأبي خالد القماط وغيرها من الأخبار المروية في الوسائل ١ : ١٣٧ / أبواب الماء المطلق ب ٣ ح ١ ، ٣ ، ٤ .