التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ٦
وممّا يدلّنا على ما ذكرناه : ما ورد في الأخبار من أن التراب أحد الطهورين [١] فإنّه لو اُريد من الطهور فيها ما هو طاهر في نفسه لما صحّ هذا الاستعمال قطعاً ، فإن سائر الأجسام أيضاً من الطاهرات كالخشب والمدر فما وجه تخصيصه التراب والماء بذلك ؟ كما هو الحال ـ أي لا يصح الاستعمال المذكور ـ فيما لو اُريد منه المبالغة ، لأن التراب نظير غيره من الأجسام ، وليس فيها أشدية في الطهارة كما لا يخفى .
أضف إلى ذلك كلّه ما في بعض الروايات من أن التيمم طهور [٢] فإنّه صريح فيما ادعيناه في المقام من عدم كون هيئة الطهور موضوعة للطاهر أو للمبالغة ، فإن التيمم ليس إلاّ ضربة ومسحة وما معنى كونهما طاهرين أو كونهما أشد طهارة ؟ وعليه فلا مجال لهذين الايرادين بوجه .
وإذا بطل هذان المعنيان تتعين إرادة المعنى الثالث ، وهو كونه بمعنى ما يتطهر به نظير السحور والفطور والحنوط والوضوء والوقود ، بمعنى ما يتسحر به أو ما يفطر به وهكذا غيرهما . وبعبارة اُخرى ما يكون منشأ للطهارة أو التسحر والجامع ما يحصل به المبدأ ، وبهذا المعنى استعمل في الخبرين المتقدمين . وعليه فالطهور يدل بالدلالة المطابقية على أن الماء مطهّر لغيره ومنشأ لطهارة كل شيء ، وبالدلالة الالتزامية يدل على طهارة نفسه ، فإن النجس لا يعقل أن يكون منشأ للطهارة في غيره . ولعلّ من فسّره من الفقهاء ومنهم صاحب الجواهر (قدس سره) : بما يكون طاهراً في نفسه ومطهّراً لغيره [٣] ، أراد ما ذكرناه من دلالته على المطهرية بالمطابقة وعلى طهارته بالالتزام ، وإلاّ فلم توضع هيئة الطهور "فعول" للمعنى الجامع بين الطاهر والمطهّر .
ودعوى أن الروايتين وردتا في الطهارة الحدثية ، وهي المراد من مادة الطهور فيهما والكلام في الأعم من الطهارة الحدثية والخبثية .
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] كما ورد مضمونه في صحيحة محمد بن حمران ، وجميل بن دراج جميعاً عن أبي عبدالله (عليه السلام) المرويّة في وسائل الشيعة ٣ : ٣٨٥ / أبواب التيمم ب ٢٣ ح ١ .
[٢] ورد مضمون ذلك في صحيحتي زرارة المروية في الوسائل ٣ : ٣٨١ / أبواب التيمم ب ٢١ ح ١ ومحمد بن مسلم المروية في الوسائل ٣ : ٣٧٠ / أبواب التيمم ب ١٤ ح ١٥ .
[٣] الجواهر ١ : ٦٤ .