التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ١٢٣
ويدلّ على تقييد المطلقات المتقدمة أيضاً ما ورد من الأخبار في تحديد الماء العاصم بالكر كما في صحيحة إسماعيل بن جابر قال : "سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الماء الذي لا ينجسه شيء فقال كر ..." [١] وغيرها ممّا هو بهذا المضمون لأ نّها تدل على أن القليل ينفعل بملاقاة النجس وإن لم يحصل فيه تغيّر ، وهذه الأخبار وإن كانت معارضة للمطلقات المتقدمة بالعموم من وجه إلاّ أ نّها تتقدم على المطلقات وتوجب تقيدها لا محالة . والوجه في ذلك هو أن هذه الأخبار دلتنا على أن هناك شيئاً يوجب انفعال القليل دون الكثير وليس هذا هو التغيّر قطعاً لأ نّه كما ينجس القليل كذلك يوجب انفعال الكثير لما دلّ على تنجس ماء البئر ونحوه بالتغيّر في أحد أوصافه كما عرفته سابقاً ، ولا سيما أن أغلب الآبار كر ، وعليه فلا بدّ من تقييد ما دلّ على اعتصام البئر والكر ونحوهما كإطلاق قوله لأنّ له مادّة [٢] وقوله كر [٣] بما إذا لم يتغيّر بشيء من أوصاف النجس .
وقد صرّح بما ذكرناه في صحيحة شهاب بن عبد ربّه المروية عن بصائر الدرجات حيث قال (عليه السلام) في ذيلها : "وجئت تسئل عن الماء الراكد من الكر [٤] مما لم
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] الوسائل ١ : ١٥٩ / أبواب الماء المطلق ب ٩ ح ٧ .
[٢] الوسائل ١ : ١٤١ / أبواب الماء المطلق ب ٣ ح ١٢ ، وكذا في ص ١٧٢ / أبواب الماء المطلق ب ١٤ ح ٧ .
[٣] كما في صحيحة إسماعيل بن جابر المتقدمة آنفاً .
[٤] قد اعتمدنا في نقل الصحيحة مشتملة على كلمة "من الكر" والاستدلال بها على نجاسة الكر المتغيّر بأوصاف النجس على نقل صاحب الوسائل (قدس سره) ولما راجعنا البحار [ ٧٧ : ٢٤ ] ونفس بصائر الدرجات [ ٢٥٨ / ١٣ ] ظهر أن نسخ الكتاب مختلفة وفي بعضها "من البئر" وبذلك تصبح الرواية مجملة وتسقط عن الاعتبار . والذي يسهل الخطب أن مدرك الحكم بنجاسة الكر المتغيّر غير منحصر بهذه الصحيحة وذلك لقيام الضرورة والتسالم القطعي حتى من الكاشاني (قدس سره) على نجاسة الماء المتغيّر ولو كان كراً .
مضافاً إلى الأخبار المتقدمة التي استدللنا بها على ذلك في ص ٥٧ فإن فيها غنى وكفاية في الحكم بنجاسة الماء المتغيّر .
أضف إلى ذلك موثقة أبي بصير قال : "سألته عن كر من ماء مررت به وأنا في سفر قد بال فيه حمار أو بغل أو انسان قال : لا توضأ منه ولا تشرب" الوسائل ١ : ١٣٩ / أبواب الماء المطلق ب ٣ ح ٥ ، لأ نّها بعد ما قيدناها بالأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالّة على عدم نجاسة الكر بملاقاة النجس من غير تغيّر كالصريحة في إرادة تغيّر الكر ببول الانسان فيه .
وأمّا نهيه (عليه السلام) عن شربه أو التوضؤ منه إذا بال فيه بغل أو حمار فهو محمول على الكراهة أو التقيّة .
ويؤيدها ما ورد في غير واحد من الأخبار من النهي عن التوضؤ أو الشرب من الغدير والنقيع فيما إذا تغيّرا بوقوع الجيفة فيهما [ الوسائل ١ : ١٣٩ / أبواب الماء المطلق ب ٣ ح ٤ ، ٦ ، ١١ ، ١٣ ] إذ النقيع ، والغدير في الصحاري يشتملان عادة على أزيد من الكر بكثير ولا سيّما على المختار من تحديده بسبعة وعشرين شبراً ، فليلاحظ .