التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ٣٢٧
ثم لو تنزّلنا عن ذلك فهناك صحيحتان قد دلتا على عدم المنع من استعمال الماء الكثير في غسل الجنابة وإن اغتسل به الجنب .
إحداهما : صحيحة صفوان بن مهران الجمال قال : "سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الحياض التي ما بين مكة إلى المدينة تردها السباع ، وتلغ فيها الكلاب ، وتشرب منها الحمير ، ويغتسل فيها الجنب ويتوضأ منها ؟ قال : وكم قدر الماء ؟ قال : إلى نصف الساق وإلى الركبة ، فقال : توضأ منه" [١] وذلك لوضوح أنه لا موضوعية لبلوغ الماء نصف الساق أو الركبة بل المراد بذلك بلوغه حدّ الكر ، فان الماء الذي يرده الجنب في الصحاري ويغتسل فيه يبلغ حدّ الكر لا محالة ، وقد رخّص (عليه السلام) في رفع الحدث به ، وإن اغتسل فيه الجنب .
وثانيتهما : صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال : "كتبت إلى من يسأله عن الغدير يجتمع فيه ماء السماء ، ويستقى فيه من بئر فيستنجي فيه الانسان من بول أو يغتسل فيه الجنب ما حدّه الذي لا يجوز ؟ فكتب لا توضأ من مثل هذا إلاّ من ضرورة إليه" [٢] والوجه في الاستدلال بها أن النهي فيها محمول على الكراهة ، لعدم الفرق عند القائلين بالمنع بين حالتي التمكن والاضطرار .
وقد ورد في رواية محمّد بن علي بن جعفر المتقدمة[٣] "من اغتسل من الماء الذي قد اغتسل فيه فأصابه الجذام فلا يلومنّ إلاّ نفسه ..." [٤] وهي أيضاً قرينة على إرادة الكراهة من النهي في الصحيحة المتقدمة ، لأنها في مقام الإرشاد إلى التحفظ من سراية الجذام .
ثم إنه إذا بنينا على أن الماء الذي رفع به الحدث الأكبر أو استعمل في إزالة الخبث لا يجوز استعماله في رفع الحدث ثانياً ، وقلنا باختصاص هذا الحكم بغير الكر من جهة الصحيحتين فلا موجب للتعدي من الكر إلى غيره من المعتصمات ، لأن الدليل قد دلّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] الوسائل ١ : ١٦٢ / أبواب الماء المطلق ب ٩ ح ١٢ .
[٢] الوسائل ١ : ١٦٣ / أبواب الماء المطلق ب ٩ ح ١٥ .
[٣] في ص ٢٨٠ .
[٤] الوسائل ١ : ٢١٩ / أبواب الماء المضاف ب ١١ ح ٢ .