التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ٩٧
حيث إنّه حين الحكم بنجاسته يحكم بطهارته أيضاً لاتصاله بالمادّة ، وما هذا شأنه كيف يصدر عن الحكيم . وبهذه القرينة القطعية تدلّنا الصحيحة على اعتصام ماء البئر مطلقاً كثيراً كان أم قليلاً وبعد ذلك نتعدّى منها إلى كل ما له مادّة لعموم تعليلها كما مرّ ، هذا كلّه في المقام الأول .
وأمّا الكلام في المقام الثاني : فملخصه أن ما يحتمل أن يكون معارضاً لأدلّة اعتصام الجاري ، هو مفهوم قوله (عليه السلام) : "الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجّسه شيء" [١] ، فإنّه دلّ بمفهومه على أن الماء إذا لم يبلغ قدر كر ينفعل بالملاقاة مطلقاً سواء أ كان جارياً أم لم يكن ، وقوله (عليه السلام) : كر [٢] في جواب السؤال عن الماء الذي لا ينجسه شيء من النجاسات ، لأ نّه صريح في أنّ غير الكر من المياه ينفعل بملاقاة البول وأمثاله من النجاسات ولو كان جارياً ، ولكن لا تعارض بينهما في الحقيقة وذلك لأن الوجهين المتقدمين في تقريب الاستدلال بالصحيحة يجعلان الصحيحة كالنص فتصير قرينة وبياناً بالإضافة إلى الروايتين المذكورتين ، حيث إنّهما حصرا علّة الاعتصام في الكر ، والصحيحة دلّت على عدم انحصارها فيه وبيّنت أن هناك علّة اُخرى للاعتصام ، وهي الاستمداد من المادّة . وبهذا تتقدم الصحيحة على الروايتين ، ولا يبقى بينهما معارضة بالعموم من وجه حتى يحكم بتساقطهما والرجوع إلى عموم الفوق كالنبويّات التي بيّنّا ضعف سندها ، أو إلى قاعدة الطهارة أو يحكم بعدم تساقطهما والرجوع إلى المرجحات السندية على تفصيل في ذلك موكول إلى محلّه .
ثم لو تنزلنا وبنينا على أ نّهما متعارضان ، بأن قطعنا النظر عن ذيل الصحيحة واقتصرنا على صدرها وهو قوله (عليه السلام) : "ماء البئر واسع لا يفسده شيء" يمكننا الاستدلال أيضاً بصدرها على طهارة ماء البئر على وجه الإطلاق ، فإنّ النسبة بينه وبين ما دلّ على انفعال القليل عموم من وجه ، لأن أدلّة انفعال القليل تقتضي نجاسة القليل بالملاقاة جارياً كان أم غير جار ، وصدر الصحيحة يقتضي عدم نجاسة
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] الوسائل ١ : ١٥٨ / أبواب الماء المطلق ب ٩ ح ١ ، ٢ ، ٥ ، وغيرها .
[٢] وهي صحيحة إسماعيل بن جابر المروية في الوسائل ١ : ١٥٩ / أبواب الماء المطلق ب ٩ ح ٧.