التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ٧
مندفعة بأنهما وإن وردتا في الحدثية من الطهارة ، إلاّ أن الكلام في المقام إنّما هو في هيئة صيغة الطهور لا في مادتها ، سواء أ كانت مادتها بمعنى الخبثية أم كانت بمعنى الحدثية ، فالتكلّم في مادتها أجنبي عمّا هو محط البحث في المقام . وقد عرفت أن الهيئة في الطهور بمعنى ما تنشأ منه الطهارة وما يحصل به المبدأ .
الجهة الثانية من المناقشات : أنّ الآية على تقدير دلالتها فإنّما تدلّ على طهورية الماء المنزل من السماء وهو المطر ، فلا دلالة فيها على طهورية مياه الأرض من ماء البحر والبئر ونحوهما .
وهذه المناقشة لا ترجع إلى محصّل ، وذلك لما ورد في جملة من الآيات وبعض الروايات [١] من أن المياه بأجمعها نازلة من السماء ، إما بمعنى أن الله خلق الماء في السماء فهناك بحـار وشـطوط ثم أنزله إلى الأرض فتشكّل منه البحار والأنهار والشطوط والآبار ، أو بمعنى أن الله خلق الماء في الأرض إلاّ أ نّه بعد ما صار أبخرة باشراق الشمس ونحوه صعد إلى السماء فاجتمع وصار ماء ، ثم نزل إلى الأرض كما هو مذهب الحكماء والفلاسفة ، وهذا المعنى لا ينافي نزول الماء من السماء لأ نّه بمعنى نزول أمره من السماء . ويدل عليه قوله تعالى : (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للنّاس ) [٢] فإنّه لم يتوهّم أحد ولا ينبغي أن يتوهّم نزول نفس الحديد من السماء .
ومن جملة الآيات الدالّة على ما ادعيناه من نزول المياه بأجمعها من السماء قوله تعالى : (وإن من شيء إلاّ عندنا خزائنه وما ننزله إلاّ بقدر معلوم ) [٣] وقوله تعالى : (ألم ترَ أن الله أنزل من السّماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ) [٤] وقوله تعالى :
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] ففي البرهان المجلد ٣ ص ١١٢ عن تفسير علي بن إبراهيم ما هذا نصه : "ثم قال : وعنه وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكنّاه في الأرض ... فهي الأنهار والعيون والآبار" ولا يرد عدم اشتمال الرواية على ماء البحر ، فإنّه إنّما يتشكل من الأنهار ، فلا يكون قسماً آخر في مقابلها .
[٢] الحديد ٥٧ : ٢٥ .
[٣] الحجر ١٥ : ٢١ .
[٤] الزمر ٣٩ : ٢١ .