التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ٢٤٨
الاستدلال على طهارة البئر من المناقشة فيه كبرى وصغرى ، فراجع [١] .
وأمّا الطائفة الثانية : وهي ما دلّ على منع الجنب من الوقوع في البئر ، فالجواب عنها أن صحيحة ابن أبي يعفور لم تفرض نجاسة بدن الجنب والغالب طهارته ، ولا سيما في الأعصار المتقدمة ، حيث كانوا يغتسلون بعد تطهير مواضع النجاسة من أبدانهم إذ لم يكن عندهم خزانة ولا كر آخر وانّما كانوا يغتسلون بالماء القليل ، ومعه لا محيص من تطهير مواضع النجاسة قبل الاغتسال حتى لا يتنجس به الماء ولا يبطل غسله ومع عدم نجاسة بدن الجنب لا وجه لانفعال البئر بوقوعه فيها ، إلاّ أن نلتزم بما ذهب إليه أبو حنيفة وبعض أصحابه من نجاسة الماء المستعمل في غسل الجنابة ولو مع طهارة بدن الجنب [٢] إلاّ أنه كما سنوقفك عليه في محلّه مما لا يمكن التفوه به ، فان اغتسال الجنب ليس من أحد المنجسات شرعاً .
ثم لو سلمنا نجاسة بدن الجنب فلماذا لم يعلل (عليه السلام) منعه من الاغتسال في الآبار ببطلان الغسل حينئذ ، إذ لو كان بدن الجنب متنجساً فلا محالة يتنجس به الماء والغسل بالماء المتنجس باطل ، وإنما علله بقوله "ولا تفسد على القوم ماءهم" مع أن الغسل قد يتحقق في مورد لا قوم فيه ، أو نفرضه في بئر داره وهي ملكه ، وبهذا وذاك يظهر أن المراد بالافساد في الرواية ليس هو التنجيس ، بل المراد به أحد أمرين :
أحدهما : أن الطباع البشرية تنزعج عن الماء الذي اغتسل فيه أحد ، وتتنفر عن شربه واستعماله في الأغذية ، ولا سيما بملاحظة أن البدن لا يخلو عن العرق والدسومة والوساخة ، وعليه فالمراد بالافساد إلغاء الماء عن قابلية الانتفاع به ، فغرضه (عليه السلام) نهي الجنب عن الوقوع في البئر كي لا يستلزم ذلك تنفر القوم وعدم رغبتهم في استعمال مائها وبقاء الماء بذلك بلا منفعة .
وثانيهما : أن الآبار كالأحواض تشتمل على مقدار من الوحل والوساخة المجتمعة في قعرها ، فلو ورد عليها أحد لأوجب ذلك إثارة الوحل وبه يتلوث الماء ويسقط عن
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] ص ٢٣٧ .
[٢] قدّمنا نقل أقوالهم في هذه المسألة في ص ١٢٥ ، فراجع .