التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ٢٤٦
عليه كما قدّمناه سابقاً [١] فلا محالة تصل النوبة إلى المرجح الثاني وهو مخالفة العامة . وقد مرّ [٢] أن المذاهب الأربعة مطبقة على انفعال ماء البئر بالملاقاة وكذا غيرها من المذاهب على ما وقفنا عليه من أقوالهم ، فالترجيح أيضاً مع ما دلّ على طهارة البئر لأنها مخالفة للعامة فلا مناص حينئذ من حمل أخبار النجاسة على التقية .
هذا على أن في الأخبار المذكورة قرينة على أنهم (عليه السلام) لم يكونوا بصدد بيان الحكم الواقعي وإنما كانوا في مقام الاجمال والتقية ، وهذا كما في صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع حيث سأل عما يطهّر البئر فأجاب (عليه السلام) بقوله : "ينزح دلاء منها" [٣] ، فان الدلاء جمع يصدق على الثلاثة لا محالة . ولا قائل من الفريقين بمطهرية الدلاء الثلاثة للبئر والزائد عنها غير مبين في كلامه (عليه السلام) . فمن ذلك يظهر أنه (عليه السلام) لم يكن في مقام بيان الحكم الواقعي لأن الاجمال غير مناسب لمقام الإمامة ولمقام البيان ، بل ولا يناسب لمقام الافتاء أيضاً ، فان فقيهاً إذا سئل عن الغسل الذي يطهر به الثوب لم يناسبه أن يجيب بأن الثوب إذا غسل يطهر ، مع أنه يعتبر التعدّد في غسله ، فانّه مجمل وهو في مقام الافتاء وبصدد البيان .
وكيف كان فهذه الأخبار محمولة على التقية . وبهذا يشكل الافتاء باستحباب النزح أيضاً ، إذ بعد ما سقطت أخبار وجوب النزح عن الاعتبار ، وحملناها على التقية لم يبق هناك شيء يدل على الاستحباب . وبعبارة اُخرى الأخبار الآمرة بالنزح ظاهرة في الارشاد إلى نجاسة البئر بالملاقاة ، وقد رفعنا اليد عن ظاهرها بما دلّ على طهارة البئر وعدم انفعالها بشيء ، وعليه فحمل تلك الأخبار على خلاف ظاهرها من الاستحباب أو الوجوب التعبديين مع بقاء البئر على طهارتها يتوقف على دليل . نعم ، لو كانت ظاهرة في وجوب النزح تعبّداً لحملناها على الاستحباب بعد رفع اليد عن ظواهرها بما دلّ على طهارة البئر ، وعدم وجوب النزح تعبّداً .
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] في ص ٩ .
[٢] قد قدّمنا تفاصيل أقوال العامة في أوائل البحث ، فراجع ص ٢٣٥ .
[٣] الوسائل ١ : ١٧٦ / أبواب الماء المطلق ب ١٤ ح ٢١ .