التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ٢
ثمّ إنِّي راعيت في ضبطها ـ جهد الإمكان ـ التحفّظ على نكات البحث ودقائقه من غير زيادة ولا نقصان ، واتّبعت سلاسة البيان لئلاّ يستعصى فهمها فيستشكل ، أو يؤخذ على غير وجـهها فيستغرب ، وربّما بالغتُ في البسط والتوضيح حذراً من الإغلاق ، وأفردت ما خطر ببالي القاصر في صحائف مستقلّة لعلّ التوفيق يساعدني على نشرها في مستقبل الأيّام .
وقد جرى ديدن المؤلِّفين على أن يهدوا مجهودهم إلى عظيم من عظماء عصرهم ، أو زعيم نحلتهم ، وإذ نحن لا نجد أعظم من وليّ أمرنا المغيَّب ( عجّل الله فرجه الشريف ) ، فمن الجدير جدّاً أن نرفع إلى ساحته المقدّسة هذا المجهود الضّئيل مترنّماً بقوله سبحانه : (يا أيُّها العزيز مسّنا وأهلنا الضرّ وجئنا ببضاعة مُزجاة فأوف لنا الكيل وتصدّق علينا ـ بقبولها ـ إنّ الله يجزي المتصدِّقين ) .
وأسـأله تعـالى بحقّ مَنْ نحـن في جـواره صلوات الله وسلامه عليه ، أن يمـدّني بتوفيقاته لإتمام هذا المجهود خدمة للعلم وأهله ، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم وذخراً ليوم فقري (يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم ) ، وينفعني به وزملائي الأفاضل المثقّفين ، فإنّه خير موفِّق ومعين ، وهو حسبي ونعم الوكيل .
المؤلف
ـ[٣]ــ
كتاب الطّهارة
ــ[١]ــ
بسم الله الرّحمن الرّحيم
[ كتاب الطّهارة ]
فصل في المياه
الماء إمّا مطلق أو مضاف كالمعتصر من الأجسام ، أو الممتزج بغيره ممّا يخرجه عن صدق إسم الماء [١] .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كتاب الطّهارة
[١] ينقسم المائع إلى قسـمين : قسم يصح سلب عنوان الماء عنه بما له من المعنى ولا يطلق عليه الماء بوجه لا على نحو الحقيقة ولا على نحو المجاز ، وهذا كما في اللبن والدهن والنفط والدبس وغيرها . والقسم الآخر ما يصح إطلاق الماء عليه ، وهو أيضاً قسمان :
أحدهما : ما لا يصح إطلاق لفظ الماء عليه بما له من المعنى على نحو الحقيقة من غير إضافته إلى شيء. نعم ، يصح أن يطلق عليه باضـافته إلى شيء ما كماء الرمّان فإنّ الماء من غير إضافته إلى الرمان لا يطلق عليه حقيقة فلا يقال : إنّه ماء إلاّ على سبيل العناية والمجاز ، وهذا القسم يسمى بالماء المضاف .
ثانيهما : ما يصح إطلاق لفظ الماء عليه على وجه الحقيقة ولو من غير إضافته إلى شيء ، وإن كان ربّما يستعمل مضافاً إلى شيء أيضاً ، إلاّ أن استعماله من غير إضافة أيضاً صحيح وعلى وجه الحقيقة ، وهذا كماء البحر والبئر ونحوهما ، فإن إطلاق الماء عليه من غير إضافته إلى البحر أو البئر إطلاق حقيقي فإنّه ماء ، ويصح أيضاً أن
ــ[٢]ــ
والمطلق أقسام : الجاري والنابع غير الجاري والبئر والمطر والكرّ والقليل [١] .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يستعمل مضافاً إلى البحر فيقال : هذا ماء بحر أو ماء بئر ، وهذا بخلاف القسم السابق فإنّه لا يستعمل مجرّداً ، ولا يصح إطلاقه عليه إلاّ باضافته إلى شيء ، ويسمّى هذا القسم بالماء المطلق .
ومن هنا يظهر أن تقسيم الماء إلى مطلق ومضاف من قبيل تقسيم الصلاة إلى الصحيحة والفاسدة ، بناء على أن ألفاظ العـبادات أسام للصحيحة منها دون الأعم فهو تقسيم لما يستعمل فيه الماء والصلاة ولو مجازاً ، وليس تقسيماً حقيقياً ليدل على أن إطلاق الماء على المضاف إطلاق حقيقي .
وبما ذكرناه تعرف أن أقسام المائع ثلاثة :
أحدها : هو ما لا يمكن إطلاق الماء عليه لا على وجه الحقيقة ولا على وجه المجاز ، ولم ينقل عن أحد دعوى كونه مطهّراً أو غيره من الآثار المترتبة على المياه شرعاً ، فهو خارج عن محل الكلام رأساً .
وثانيها : المضاف وتأتي أحكامه عن قريب إن شاء الله تعالى .
وثالثها : الماء المطلق وهو المقصود بالكلام هنا .
أقسام الماء المطلق
[١] المعروف بين الأصحاب تقسيم الماء المطلق إلى أقسام ثلاثة : الجاري وماء البئر والمحقون بكلا قسميه من الكر والقليل، وكأنهم (قدس سرهم) نظروا في تقسيمهم هذا إلى مياه الأرض ، ولذا لم يعدّوا منها ماء المطر وعنونوه بعنوان آخر مستقل .
وقد قسمه في المتن إلى الجاري والنابع غير الجاري والبئر والكر والقليل ، وهذا هو الصحيح ، لأن النابع غير الجاري مما لا يصدق عليه شيء من عنواني الجاري والبئر ، فهو قسم آخر مستقل ولا وجه لادراجه تحت أحدهما كما صنعوه ، ومن هنا لا تجري الأحكام الخاصة المترتبة على الجاري والبئر في النابع المذكور ، ككفاية