شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٩
والسبب فيه إما الغفلة عن تحريمها وما ورد من الوعيد عليها، وإما لأن مثل ذلك من المعاصي لا يخل عرفا بمراتبهم ومنازلهم من الرئاسات لخفاء هذا النوع من المنكر على من يرومون المنزلة عنده من أهل الجهالات ولو رغبوهم في الشرب أو الزنا أو غصب مال الغير ما أطاعوه لظهوره فحشه عند العامة وسقوط منزلتهم لديهم، ولو استبصروا علموا أن لا فرق بين المعصيتين بل لا نسبة بين المعصية المستلزمة للاخلال بحقه تعالى وبين ما يتعلق مع ذلك بحق العبد خصوصا بأعراضهم بل هي أجل وأشرف من أموالهم. والآخرة ".
[ ٨ ]
باب الغيبة والبهت * الأصل: ١ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الغيبة أسرع في دين الرجل المسلم من الآكلة في جوفه. قال: وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الجلوس في المسجد انتظار الصلاة عبادة ما لم يحدث، قيل: يا رسول الله وما يحدث ؟ قال: الاغتياب ". * الشرح: قوله: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الغيبة أسرع في دين الرجل المسلم من الآكلة في جوفه) أي في قلبه أو مطلقا. والغيبة بالكسر إسم من اغتاب فلان فلانا إذا ذكره بما يسوؤه ويكرهه من العيوب وكان فيه وإن لم يكن فيه فهو تهمة، وفي العرف ذكر الإنسان المعين أو بحكمه في غيبته بما يكره نسبته إليه وهو حاصل فيه ويعد نقصا في العرف بقصد الانتقاص والذم قولا أو إشارة أو كناية، تعريضا أو تصريحا فلا غيبة في غير معين كواحد مبهم من غير محصور بخلاف مبهم من محصور كواحد من المعينين فإنه في حكم المعين كما صرح به شيخ العارفين في الأربعين ولا بذكر عيبه في حضوره وإن كان آثما لإيذائه إلا بقصد الوعظ والنصيحة والتعريض حينئذ أولى إن نفع، لأن التصريح يهتك حجاب الهيبة، ولا بذكر ما ليس فيه فإنه بهتان وتهمة، ولا بذكر ما لا يكره ولا يعد نقصا، ولا بذكر عيبه لا لقصد الإنتقاص كذكره للطبيب لقصد العلاج، وللسلطان لقصد الترحم. والغيبة حرام للآيات والروايات واجماع الامة وقد عدت من الكبائر والمغتاب لما لم يكن معصوما ينبغي أن يكون له في عيبه لنفسه شغل عن عيب غيره، ولو فرض أنه خال من العيوب كلها فلينزه نفسه من الغيبة التي هي أقبح العيوب ومن أعظم الكبائر وليعلم ان ما صدر من أخيه مفسدة جزئية والغيبة مفسدة كلية، لأن مقصود الشارع اجتماع المؤمنين وأيتلافهم وتعاونهم وتصافي قلوبهم ومحبتهم، والغيبة لكونها مثيرة للتضاغن والتباعد والتعاند منافية لذلك المقصود فهي مفسدة كلية وإذا علم ذلك زجر نفسه عنها لأن العاقل لا يعيب أحدا بمفسدة جزئية مع تلبسه هو بمفسدة كلية. قال الشهيد الثاني: والعجب من علماء أهل الزمان أن كثيرا منهم يجتنبون كثيرا عن المعاصي الظاهرة مثل شرب الخمر والزنا وغصب أموال الناس ونحوها وهم مع ذلك يتعاطون الغيبة
[ ٩ ]
والسبب فيه إما الغفلة عن تحريمها وما ورد من الوعيد عليها، وإما لأن مثل ذلك من المعاصي لا يخل عرفا بمراتبهم ومنازلهم من الرئاسات لخفاء هذا النوع من المنكر على من يرومون المنزلة عنده من أهل الجهالات ولو رغبوهم في الشرب أو الزنا أو غصب مال الغير ما أطاعوه لظهوره فحشه عند العامة وسقوط منزلتهم لديهم، ولو استبصروا علموا أن لا فرق بين المعصيتين بل لا نسبة بين المعصية المستلزمة للاخلال بحقه تعالى وبين ما يتعلق مع ذلك بحق العبد خصوصا بأعراضهم بل هي أجل وأشرف من أموالهم. * الأصل: ٢ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عيمر، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام): " من قال في مؤمن ما رأته عيناه وسمعته اذناه فهو من الذين قال الله عز وجل: * (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم) * ". * الشرح: قوله: (فهو من الذين قال الله عز وجل -... ألى آخره) إنما قال من الذين لأن الآية الكريمة * الأصل: ٢ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عيمر، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام): " من قال في مؤمن ما رأته عيناه وسمعته اذناه فهو من الذين قال الله عز وجل: * (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم) * ". * الشرح: قوله: (فهو من الذين قال الله عز وجل -... ألى آخره) إنما قال من الذين لأن الآية الكريمة تشمل أيضا من بهت رجلا ومن ذكر عيبه في حضوره ومن أحب شيوعه وإن لم يذكره ومن سمعه ورضي به والوعيد بالعذاب الاليم للجميع. قال الشهيد رحمه الله: إن الله أوحى إلى موسى بن عمران " أن المغتاب إذا تاب فهو آخر من يدخل الجنة وإذا لم يتب فهو أول من يدخل النار ". * الأصل: ٣ - الحسين بن محمد، عن معلي بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن داود بن سرحان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الغيبة قال: " هو أن تقول لأخيك في دينه ما لم يفعل وتبث عليه أمرا قد ستره الله عليه لم يقم عليه فيه حد ". * الشرح: قوله: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الغيبة قال: هو أن تقول لأخيك في دينه ما لم يفعل وتبث عليه أمرا قد ستره الله عليه لم يقم عليه فيه حد) هو راجع إلى الغيبة والتذكير باعتبار الاغتياب أو باعتبار الخبر، وقوله: " لم يقم عليه فيه حد " صفة بعد صفة لامر أو حال بعد حال عنه وفيه دلالة على انه لا حرمة للكافر فلا يحرم غيبته وحرمة قذفه من دليل خارج وعلى أن الغيبة هي نسبة القبيح إلى الغير سواء فعله أم لا فتشمل البهتان وسواء حضر أم غاب، فيراد بالغيبة هنا غير المعنى المصطلح وعلى أن ذكر الأمر المكشوف المشهور ليس بغيبة وسيجئ زيادة البحث فيه وعلى أن ذكر الامر المستور الذي يقام فيه الحد على فاعله مثل الزناء وغيره ليس بغيبة وإلا لبطلت الحدود،