تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٨
و شاهداً، لأن شهداء جمع شهيد، و قد علمنا أن کل واحد من هذه الامة ليس بهذه الصفة، فلم يجز أن يکون المراد ما قالوه، علي أن الأمة إن أريد بها جميع الامة، فقد بينا ان فيها كثيراً ممن يحكم بفسقه بل بكفره، فلا يجوز حملها علي الجميع.
و ان خصوها بالمؤمنين العدول، لنا أن نخصها بجماعة، کل واحد منهم موصوف بما وصفنا به جماعتهم: و هم الأئمة المعصومون من آل الرسول (ص) علي أنا لو سلمنا ما قالوه من كونهم عدولا، ينبغي أن نجنبهم ما يقدح في عدالتهم و هي الكبائر، فأما الصغائر الّتي تقع مكفرة، فلا تقدح في العدالة، فلا ينبغي أن نمنع منها، و متي جوزنا عليهم الصغائر لم يمكنا أن نحتجّ بإجماعهم، لأنه لا شيء أجمعوا عليه إلا و يجوز أن يکون صغيراً فلا يقدح في عدالتهم، و لا يجب الاقتداء بهم فيه لكونه قبيحاً. و في ذلک بطلان الاحتجاج بإجماعهم. و كيف يجنبون الصغائر، و حال شهادتهم ليس بأعظم من شهادة النبي (ص) و مع هذا يجوزون عليه الصغائر فهلا جاز مثل ذلک عليهم، و لا تقدح في عدالتهم- کما لم تقدح في عدالة النبي (ص)!
قوله: «وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُم شَهِيداً». قيل في معناه قولان:
أحدهما- عليكم شهيداً بما يکون من أعمالكم. و قيل: يکون حجة عليكم.
و الثاني- يکون لكم شهيداً بأنكم قد صدقتم- يوم القيامة- فيما تشهدون به.
و جعلوا (علي) بمعني اللام کما قال: «وَ ما ذُبِحَ عَلَي النُّصُبِ»[١] اي للنصب. و التشبيه في قوله «و كذلك» وقع بما دل عليه الكلام في الآية الّتي قبلها: و هي قوله «يَهدِي مَن يَشاءُ إِلي صِراطٍ مُستَقِيمٍ» فتقديره أنعمنا عليكم بالعدالة کما أنعمنا عليكم بالهداية و العامل في الكاف جعلنا، كأنه قيل: «من يشأ الي صراط مستقيم» فقد أنعمنا عليكم بذلك و جعلناكم أمة وسطاً فأنعمنا كذلك الانعام. إلا أن (جعلنا) يدل علي أنعمنا في هذا الكلام، فلم نحتج الي حذفه معه في قوله تعالي: «وَ ما جَعَلنَا القِبلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيها» اي ما صرفناك عن القبلة الّتي كنت عليها إلا لنعلم، و حذف لدلالة
[١] سورة المائدة: آية ٤