أهل البيت في مصر - عدة من الباحثين و المفكرين المصريين - الصفحة ٢٨٦ - * الافتراءات
داري شهرا إن لم أضربك في كلّ يوم فيه عشرا، و برئت من جدّي إن حنثت في يميني أو شفعت فيك أحدا! حتّى صاح المغنّي التائب مستسلما: وا ذهاب ديناه! ...
وا فضيحتاه! ثم اندفع يغنّي!
و تستمرّ الرواية في حديث الإفك هذا- الذي يحمل وزره العظيم صاحب الأغاني و من استأجره و من صدّقه- تحكي عن سوار الذهب، الذي أرغمت سكينة الرجل على لبسه، و كيف أرسلت بعد ذلك إلى المغنّية «عزّة الميلاء» لتأتي و تغنّي مع ابن سريج، الذي منع عن التوبة؛ ليكتمل مجلس الغناء [١] في بيت حفيدة رسولنا المفدّى (صلّى اللّه عليه و آله)! [٢].
*** كان المقصود، بمثل هذه الروايات- و هناك ما هو أفحش و أبشع منها- و بمثل إقحام اسم سكينة زورا إلى أبيات الغزل لعمر بن أبي ربيعة، أن ترفع الرهبة، و تسقط
[١]. تسالمت كلمات أهل السيرة و التاريخ على أنّ السيدة سكينة بنت الحسين (عليه السّلام) قد عاشت بعد مقتل أبيها (عليه السّلام) و رجوع القافلة الحسينية من عند يزيد إلى المدينة، عاشت في بيت أخيها الإمام زين العابدين (عليه السّلام) الذي عرف بالزهد و الورع و التقوى و العبادة و البكاء. هل يمكن تصوّر هذا المشهد الذي ينقله أبو الفرج في بيت هذا السيد الزاهد العابد الحزين؟!!
هذا و يضاف إليه تضافر الآثار و كلمات كثير من أئمة المسلمين و فقهائهم على حرمة الغناء. بل عن التتارخانية: حرمته في جميع الأديان. و قال شيخ الإسلام المرغيناني: لا تقبل شهادة المغنّي في كتابه الهداية (٣: ٩٠). و حكى ابن تيمية عن ابن المنذر أنّه نقل الاتفاق على حرمة الغناء مطلقا، و إبطال إجارة المغنية (مختصر الفتاوى الكبرى: ٣٨٨). و حكى القاضي عياض الإجماع على كفر مستحلّه (الفروع ٣:
٩٠٣). و في مفتاح الكرامة، فصل المكاسب المحرّمة عند ذكر حرمة الغناء قال: وردت خمسة و عشرون رواية صحيحة. و في جواهر الكلام: أنّها متواترة عن الإمام السجاد و ابنه الباقر و الصادق (عليهم السّلام) دالّة على حرمة الغناء مطلقا و إن لم يقترن بمحرم.
فإذا كان الحال هذه، فكيف يسوغ للإمام السجاد زين العابدين (عليه السّلام) أن يجيز لأخته سكينة ان تقيم حفلتها الغنائية في بيته؟!! إلّا أن يكون ذلك افتراء عليه و على السيدة النبيلة (عليها السّلام).
غير أنّ الناظر في أحاديث الغناء التي سجّلها أبو الفرج على هذه الحرّة العفيفة الطاهرة مروية عن آل الزبير الذين عرفت عداوتهم لآل علي (عليه السّلام)، كما هو مشهور.
[٢]. نصّ الرواية مذكور بكامله عند الدكتورة بنت الشاطئ، سكينة بنت الحسين، دار الهلال: ١٤٣- ١٤٦.