أهل البيت في مصر - عدة من الباحثين و المفكرين المصريين - الصفحة ٢٥ - المقدّمة
الحركة إلّا بشقّ الأنفس، و لم يكن لنا سبيل إلّا السير بعناء على الأقدام مسافة كبيرة جدا وسط هذه الكتل البشرية حتّى وصلنا إلى المسجد، إلّا أنّنا و بسبب الزحام الشديد، و عدم إمكانية الوصول إلى المكان المخصّص للضيوف الذي أقامته العشرات من مشيخات الطرق الصوفية المحبّة لأهل البيت (عليهم السّلام)، اضطررنا- أنا و الإخوة أعضاء سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في القاهرة- إلى مغادرة المكان بعد لحظات من وصولنا.
و قد يتساءل سائل عن السرّ في عراقة هذه المودّة الراسخة و الحبّ الشغوف لآل البيت (عليهم السّلام) عند شعب مصر، و الذي سبق في عمقه التاريخي عهد الدولة الفاطمية، و لعلّنا نجد الجواب عند ما نقلّب وريقات التاريخ الإسلامي المدوّن، فنجد أنّ هذا الودّ و الحبّ لآل البيت (عليهم السّلام) قد نما و ترعرع منذ صدر الإسلام، حين فتح الجيش الإسلامي الظافر بلاد مصر، و كان الروّاد الأوائل بهذا الفتح مجموعة من كبار صحابة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و خواص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام)، و الدعاة إلى حبّه و ولايته، و المجاهرين بموقعه و مواقع أهل بيته (عليهم السّلام) من الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و الرسالة، و على رأسهم: أبو ذرّ الغفاري و المقداد بن الأسود الكندي و أبو أيّوب الأنصاري، و عندها يمكننا التأكيد على أنّ مودّة أهل البيت (عليهم السّلام) و حبّهم دخل قلوب المصريّين في اليوم الذي دخل فيها الإسلام، فقرنوا مع شهادتهم بأن لا إله إلّا اللّه محمد رسول اللّه: ودّ آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و حبّهم.
كلّ هذا قبل أن تستوثق الأمور لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام)، و يتصدّى لخلافة المسلمين، و يؤكّد هذه الحقيقة التاريخية ما نقله ابن الأثير في «الكامل» عن حوادث سنة ٣٦ ه من أنّ مبعوث الإمام علي (عليه السّلام) إلى مصر دعا في خطبته إلى مبايعته «فقام الناس فبايعوه و استقامت مصر، و بعث عليها عمّاله ...»، كما أورد المقريزي في «خطط مصر»: أنّ قيس بن سعد الأنصاري بعث على مصر، فدخلها مستهلّ ربيع الأول سنة سبع و ثلاثين للهجرة، و مصر يومئذ من جيش علي (عليه السّلام).
و توّجت أجواء الحبّ و الودّ و الولاء لآل بيت النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بتعيين الإمام علي (عليه السّلام) محمد بن أبي بكر و قيس بن سعد على مصر، و هما خلّص أصحابه و المحبّين لآل البيت (عليهم السّلام)،