أهل البيت في مصر - عدة من الباحثين و المفكرين المصريين - الصفحة ١٩١ - أم الشهداء زينب بنت الإمام علي عليها و على أبيها السلام
حاسرة الرأس، تسير في موكب السبايا الكريمات من بنات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من كربلاء إلى الكوفة، إلى دمشق، إلى المدينة، يتطلّع إليها و إليهنّ كلّ من غلبه حبّ الاستطلاع على حبّ اتّقاء اللّه بغضّ البصر رحمة و مودّة في قربى النبي المفدّى، و منهنّ نائحات:
«وا محمداه! هذا الحسين بالعراء، مرمّل بالدماء، مقطّع الأعضاء، يا محمداه! هذه بناتك سبايا، و ذرّيتك مقتلة، تسفى عليها الصبا!».
وى لنيران الغضب من جرأة السفهاء، الذين- مع هذا النحيب- لم يكتفوا بالنظر، بل بادروا بالوصف و التغزّل في محاسن وجه بنات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)!
***
تمرّ أحداث التاريخ المعروف، و زينب في خضمها يوما بيوم، بل لحظة لحظة، و القضية أمامها: إسلام أو لا إسلام، حقّ أو باطل.
تأتي فتنة التآمر لقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفّان فيأمر علي بن أبي طالب ولديه:
- «اذهبا بسيفيكما حتّى تقوما على باب عثمان، فلا تدعا أحدا يصل إليه بمكروه ...» [١].
لكنّ الأهواء ما تلبث أن تجعل الذين أثاروا النفوس على عثمان هم المطالبون بثأر عثمان، و يقفون مناوئين لخلافة إمام المتّقين، و باب مدينة العلم، معلّم الفقهاء:
علي بن أبي طالب. و يعلنها بنو أمية حربا سافرة على بني هاشم، إحياء لثارات الجاهلية، و طمعا في ملك الدنيا، و يخرج الصحابي الجليل عمّار بن ياسر، و عمره تسعون سنة، يقول مهتاجا: «أيّها الناس، سيروا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يزعمون أنّهم يثأرون لعثمان، و و اللّه ما قصدهم الأخذ بثأره، و لكنّهم ذاقوا الدنيا و استمرءوها، و علموا أنّ الحقّ يحول بينهم و بين ما يتمرّغون فيه من شهواتهم و دنياهم، و ما كان لهؤلاء سابقة في الإسلام يستحقّون بها طاعة الإسلام، أو الولاية عليهم ... ألا إنّهم ليخادعون الناس بزعمهم أنّهم يثأرون لدم عثمان، و ما يريدون إلّا أن يكونوا جبابرة و ملوكا. و الذي
[١]. انظر تاريخ ابن الأثير ٣: ١٧٢ و ١٧٤ ذكر مقتل عثمان، و علي بن أبي طالب رابع الخلفاء الراشدين لمحمد رضا: ٣٠ و ما بعده.