المولد النبوي الشريف - الهواري، صلاح الدين - الصفحة ١٦٦ - و هذه قصيدة تقال وقت ذكر القيام
و أخلاقه السّنيّة [١]* و قبّلته بين عينيه و ضمّته إلى صدرها فيا أشفق ضمّ و يا أبهج انضمام* ثمّ خافت عليه من وباء مكّة فأمرتها بالرّجوع إلى المنازل السّعديّة* فرجعت حليمة به و قد هاج شوقها بجماله و انتظمت في قلبها محبّته أحكم انتظام* و كان ( صلّى اللّه عليه و سلّم ) و هو عند حليمة إذا خرج مع الصّبيان تترقّب مجيئه بأعينها البصريّة* و تفرح بقدومه إذا قدم و تبتسم في وجهه أحسن ابتسام* فسأل ذات يوم عن إخوته فقالت: يا حبيبي خرجوا يرعون أغنامنا المقنيّة [٢]* فقال: يا أمّاه دعيني أخرج معهم فلما أصبح أخذ عصاه و تمنطق بالحزام* فأوصت حليمة أولادها و بالغت في الوصيّة* فأقام ( صلّى اللّه عليه و سلّم ) نهاره معهم و هم يرعون الأغنام* فلمّا جاء اللّيل خرجت حليمة لملاقاتهم فرأته مقبلا و الأنوار تتلألأ من طوالعه الجبينيّة* و الأغنام حوله تلوذ به كالعرائس و هي تشخب [٣] لبنا طيّب المذاق لذيذ الطّعام* فضمّته بين ثدييها و قالت له: يا حبيبي ما الذي غيّبك عني؟ فحدّثها أخوه بما رآه من أماراته الشّهيريّة* و أخبرها بما شاهده من آياته التي لا يبلغ كنهها ذووا الأفهام* و قال لها: يا أمّاه لما خرج معنا أخونا القرشيّ فما مررنا على شجرة إلّا حيّته أحسن التّحية* و لا مررنا على أرض يابسة إلّا اخضرّت و لا بئر إلّا فاض ماؤها و لا حجر إلّا غاصت فيه الأقدام* و مررنا يا أمّاه على واد فيه وحوش كثيرة كاسريّة [٤]* فخرج علينا سبع عظيم فلما رآه خضع له
[١] السّنية: الرفيعة، الشريفة.
[٢] المقنية: الممتكلة، يقال: قنى الشيء: كسبه و جمعه، و قنى الغنم و غيرها: اتخذها لنفسه لا للتجارة.
[٣] شخب اللبن شخبا: خرج من الضرع مسموعا صوته، أو نزل غزيرا.
[٤] كاسرية: يقال: كسر الشيء: هشمه و فرّق بين أجزائه، فهو كاسر، و هي كاسرة، و منه يقال: وحش كاسر، لأنه يكسر فريسته و يهشمها.