العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ١٢٥ - *** السلطان الملك الظاهر ركن الدين أبو الفتح بيبرس البند قدارى الصالحى النجمى
عيسى بن مهنا [١] إلى الدهليز بالخربة، فأوهم السلطان أنه يريد الحركة إلى العراق، و أمره بالتأهب ليركب إذا وعى وردّه لبلاده، و كان السلطان فى الباطن إنما يريد الحركة للحجاز لكنه ورّى بالعراق.
فلما دخل شوّال أنفق فى العساكر جميعها، و جرّد طائفة مع الأمير أقوش الرومى السلاح دار ليكونوا صحبة الركاب السلطانى، و جرّد طائفة مع الأمير شمس آق سنقر الفارقانى الأستادار إلى دمشق ليقيموا ظاهرها.
و توجه السلطان للحج و معه الأمير بدر الدين الخازندار، و قاضى القضاة صدر الدين سليمان الحنفى، و فخر الدين إبراهيم بن لقمان [٢] كاتب السر، و تاج الدين بن الأثير، و نحو ثلاثمائة مملوك، و عدة من أجناد الحلقة.
و سار من الغور يوم خامس شوال كأنه يتوجه إلى الكرك كأنه يتصيد، و لم يجسر أحد أن يتحدث بأنه متوجه إلى الحجاز و ذلك أن الحاجب جمال الدين بن الداية كتب إلى السلطان يسأله: «إنى أشتهى أن أتوجه صحبة السلطان إلى الحجاز»، فأمر بقطع لسانه، فلم يتفوه أحد بعدها بذلك، فوصل إلى الكرك أول يوم من ذى القعدة، و كان قد دبر أموره خفية من غير أن يطلع أحد على شىء مما فعله، بحيث أنه جهّز البشماط و الدقيق و الروايا و القرب و الأشربة، و عين العربان المتوجهين معه و المرتبين فى المنازل من غير أن يشعر أحد من الخاصة فضلا عن العامة بذلك، ففرّق فى المجردين معه الشعير، و بعث الثقل فى رابعه، و تبعه فى سادسه، فنزل الشّوبك، و رسم بإخفاء خبره.
و استقل بالمسير فى حادى عشره، و أنفذ البريد إلى قلعة الجبل لمهمات له، فجهزت الكتب مع العربان، و قدم المدينة فى خامس عشريه فلم يقابله الأمير جماز و لا مالك، أميرا المدينة، و فرّا منه، فأعرض عنهما. و رحل فى سابع عشريه و أحرم فدخل مكة فى خامس ذى الحجة، و أعطى خواصه جملة أموال لتفرق فى الناس سرا، و عم أهل الحرمين بالكسوة التى فرّقها، و صار كآحاد الناس لا يحجبه أحد، و لا يحرسه إلا اللّه تعالى، و بقى منفردا يصلى وحده، و يطوف وحده، و يسعى وحده، فلا يعرفه إلا من يعرفه، و غسل الكعبة بيده بماء الورد، و صار بين جميع الناس على اختلاف طبقاتهم
[١] انظر: (غربال الزمان- خ، السلوك ١/ ٧٢٦، النجوم الزاهرة ٧/ ٣٦٣، تاريخ ابن الفرات ٨/ ١٢، ابن خلدون ٥/ ٤٣٨، صبح الأعشى ٤/ ٢٠٦، الأعلام ٥/ ١٠٩).
[٢] انظر: (النجوم الزاهرة ٦/ ٣٦٦، ٨/ ٥٠، ٥١، البداية و النهاية ١٣/ ٣٣٧، السلوك ١/ ٣٥٦ ٧٨٢٢، ٨٠٤، مرآة الزمان ٨/ ٧٧٨- ٧٧٩، الأعلام ١/ ٥٨).