الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٤ - ٢- خلق القرآن
ظاهر الميل إلى العلويين، فإن أغراض الحكام الشخصية تكاد في دوافعها تكون واحدة على مرّ الأجيال في التاريخ الإسلامي، فعندنا أن القالب جديد، غير أن الجوهر واحد، و هو استخدام الدين للمصالح و المنافع، و تأكيد السيطرة و الهيمنة. فها نحن أولاء أمام الحكام و هم يعرّضون الأمة للبلاء مرة أخرى، و يعدّون لأخصامهم النقمة و المحن. و عند ما يبدأ معاوية بإسقاط من يرى فضل علي أو يروي حديثه من الديوان، و يأمر بهدم دار من يوالي عليا، حتى كانت النقمة على الزنادقة أهون من أفعال السلطة بمن يودّ أهل البيت. فقد كان رجال أهل البيت و الأئمة منهم قد تعاهدوا أمر أصحابهم بالسياسة الملائمة، أو بالثورة و السيف منذ عهد الإمام الحسن حتى نهاية عهد الإمام الصادق (عليه السلام) ثم جاءت الفترة العباسية، فكانت القيادة للإمام موسى بن جعفر بتقواه و زهده، ثم للإمام الرضا بعلمه و حكمته. فلم تحدث النتائج التي سنراها فيما بعد هذه الفترة، و قد استعرضنا في الأجزاء السابقة من كتابنا آثار مواقف الأئمة و على الأخص موقف الإمام الصادق و كيف اتّجه إلى تربية النفوس و شدّ القلوب بروابط الإيمان و العلم، و كان سلطانه على أتباعه و محبيه سلطان دين و عقيدة، فكانت طرقه في الدعوة إلى الدين و منهجه في الأحكام و الفقه منهلا أغنى الأمة، و اغترفت منه فطاحل الرجال.
و في مشكلة خلق القرآن، اتبع المأمون السياسة ذاتها، لأن الظاهر قد يتغير، أما الجوهر و حقيقة الدوافع فليس لها على صعيد الحكم غير القوة و التعدّي و العنف و إراقة الدماء، فكأننا إذا ما قرأنا أوامر المأمون نقرأ تعليمات الأمويين و أوامرهم، فتراه يتّهم بالكفر من يخالفه، و يأمر بضرب الأعناق. ليتسلّى برؤية الرءوس. و لا نريد أن نذكر أوامره لطولها و تفاصيلها، إنما نذكر شيئا يسيرا (... و من لم يرجع عن شركه ممن سمّيت لأمير المؤمنين في كتابك و ذكره أمير المؤمنين لك أو أمسك عن ذكره في كتابه هذا و لم يقل أن القرآن مخلوق بعد بشر بن الوليد و إبراهيم بن المهدي، فاحملهم أجمعين موثقين إلى عسكر أمير المؤمنين، مع من يقوم بحفظهم و حراستهم في طريقهم، حتى يؤديهم إلى عسكر أمير المؤمنين، و يسلمهم إلى من يؤمن بتسليمهم إليه، لينصحهم أمير المؤمنين، فإن لم يرجعوا و يتوبوا حملهم جميعا على السيف).
و لقد فتح المأمون على الأمة بابا من البلاء لم يغلق، فقد بلغت سياسة حدّ الولع بما تواضع عليه الناس و استلموه و توارثوه ناجزا، عملت على تكوين عوامل