الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٨٨ - أحمد بن حنبل ١٦٤- ٢٤١ ه
عن الجماعة، زائل عن منهج السنة. و اتجه هذا الاتجاه في حياته، و أخذ به، فتمسّك بحرفية النص و ظاهره، و لا يسمح لنفسه تخريج أو تفسير أو جدل ينمّ عن تصد للاجتهاد، أو تصدّر للإفتاء، و لا يتعدّى الأخذ بالأثر و الجمود على النصوص و العمل بظاهرها. و قد نسب إليه ذلك في شعر و هو قوله:
يا طالب العلم صارم كل بطّال* * * و كلّ غاد إلى الأهواء ميّال
و أعمل بعلمك سرّا أو علانية* * * ينفعك يوما على حال من الحال
و لا تميلنّ يا هذا إلى بدع* * * تضلّ أصحابها بالقيل و القال
خذ ما أتاك به ما جاء من أثر* * * شبها بشبه و أمثالا بأمثال
إلا فكن أثريا خالصا فهما* * * تعش حميدا، ودع آراء ضلّال
و قد اتجه إلى الحديث، فروي أنه كان يحفظ ألف ألف حديث، و يأخذ بالضعيف منها و يعلم به إذا لم يكن ما يعارضه، و أصبحت له خبرة بالحديث، وسعة اطلاع جعلت له منزلة بين المحدثين. و إذا صحّ ما كان يحفظه، فإنّا نميل إلى أن تكوينه النفسي قد طغت عليه ملكة الحفظ، و آنس في نفسه قوتها دون غيرها؟
و ساعدت على ذلك اعتبارات الفترة و نتائج المحنة، و لذلك لم يكن له في حياته مدرسة فقهية، حتى أن ابن عبد البر لم يجعله مع مالك و الشافعي و أبي حنيفة في كتابه (الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء) و أن عنوان الكتاب ينطوي على هذا القصد، و لا بد أن المالكية على هذا الرأي جميعهم، فإن القاضي عيّاض قال عنه: إنه دون الإمامة في الفقه، و جودة النظر في مأخذه.
و قد مرّ بنا ما ذا فعل الحنابلة بابن جرير الطبري، فهو لم يعدّ مذهبه في الخلاف بين الفقهاء و قال: إنما هو رجل حديث. و على هذا الرأي غيره من الشافعية.
و من تتبّع سيرة الإمام أحمد، يترجّح لدينا أنه لم يقصد إلى تأسيس مذهب خاص به، و لم يستجب إلى إغراءات السلطان. و لكن تلامذته قد أفرغوا تعاليمه و أقواله بعد موته في قوالب محدودة هي قواعد و مبادئ لفقه ينسب إلى الإمام أحمد، فتألفت جماعة فقهية كان رجالها أصحابه من ذوي الإحاطة، فكان نشوء المذهب الحنبلي. كما أن المسند كان من جمع ابنه و أصحابه. و يعتقد أحمد أن منحاه في التقيّد بالحرفية و الظاهر هو المنهج الأقوم و الطريقة المثلى، و يردّ بها على اتجاهات