الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٩٦ - مدرسة الإمام الصادق المنهج و التكوين
و أهمها: أن الإنسان يخلق أعماله، و أن ليس للّه في ذلك صنع أو تقدير. و يقابلهم الجبرية الذين ينفون قدرة الإنسان، و يضيفون الفعل إلى اللّه حقيقة و إضافة.
ففي وسط احتدام الجدل في ذلك، و تحكّم العناد و الانفعال، قال الإمام الصادق مقالة الحق التي تقوم على حقائق التنزيل و دلائل الواقع، فقال (عليه السلام): «لا جبر و لا تفويض. لأن اللّه أعدل من أن يجبرهم على المعاصي ثم يعذّبهم عليها».
و كان ذلك في مبدأ ظهور الجدل في هذه المسألة، و بقي قوله (عليه السلام) قاعدة ثابتة و عقيدة راسخة. فالإمام علي بن موسى الرضا عند ما يسأل عن قول جدّه الصادق (عليه السلام) و ما معناه؟ يقول الرضا: «من زعم أن اللّه عزّ و جل فعل أفعالنا، ثم يعذبنا عليها؛ فقد قال بالجبر. و من زعم أن اللّه عزّ و جل فوّض أمر الخلق و الرزق إلى حججه؛ فقد قال بالتفويض. فالقائل بالجبر كافر، و القائل بالتفويض مشرك» [١].
و القصد أن تلك الفترة التي عاشها الإمام الصادق شهدت مقالات و اعتقادات و آراء شتى وجدت طريقها إلى عقول الناس، و تباينت آثارها، و اختلف أثرها. و من الحق فإن العناية الإلهية في توجيه الإمامة و نهوض الإمام الصادق بأعباء مسئولياتها قد حفظ تماسك الأمة و بقاء معتقداتها الأصلية، و لا يمكن أن نتصوّر شخصا أو جهات متعددة- و إن تظاهرت و اتحدت- بقادرة على القيام بمثل هذه المهمة، و مواجهة ما يجري على الساحة و ما يزرع فيها من أفكار، غير من يشرق بنور النبوة و يفرغ من معين حكمتها عالما بأسرار الملة، عارفا بدقائق الحكمة الإلهية، محيطا بتاريخ الشرائع و الأديان و الأمم كالإمام الصادق (عليه السلام). فتجد في كل رأي حجة، و في كل إجابة له مستند يناسب القول و يدعمه.
فعند ما يسأله أعداء الإسلام: كيف يجيء من لا شيء شيء؟ يقول (عليه السلام):
«إن الأشياء لا تخلو إما أن تكون خلقت من شيء أو من غير شيء، فإن كان خلقت من شيء كان معه، فإن ذلك الشيء قديم، و القديم لا يكون حديثا، و لا يفنى و لا يتغيّر. و لا يخلو ذلك الشيء من أن يكون جوهرا واحدا و لونا واحدا. فمن أين جاءت هذه الألوان المختلفة و الجواهر الكثيرة الموجودة في هذا العالم من ضروب شتى؟
و من أين جاء الموت إن كان الشيء الذي أنشئت منه الأشياء حيا؟ و من أين جاءت
[١] روضة الواعظين.