الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٦٤ - الإسماعيلية
بوادرها كان ظهورها في ضلال الحكّام و حواشي عظمتهم. و استطاع الظلمة و المتجبرون أن يجعلوها سلاحا فتاكا في حملتهم ضد أهل البيت و شيعتهم، فأسهموا في نشاط تلك الفرق، و سهّلوا لهم التظاهر و الادعاء بحب أهل البيت، و قد عالج الأئمة الأطهار عليهم أفضل الصلاة و السّلام مشكلة تسلل الغلاة و دخولهم في صفوف المسلمين، فكان الإمام الصادق يلعن أبا الخطّاب و أصحابه و جميع الدعاة إلى الألحاد و الغلو، و يفضح أصولها و مصادرها، و من أقواله (عليه السلام): «إنّا أهل بيت صادقون لا نعدم من كذّاب يكذب علينا عند الناس، يريد أن يسقط صدقنا بكذبه علينا». ثم ذكر المغيرة و بزيع و السري و أبا الخطّاب و معمّر و بشّار الشعيري و حمزة اليزدي و صائد النهدي فقال: «لعنهم اللّه أجمع، و كفانا مئونة كل كذاب».
و قال (عليه السلام): «إن قوما يزعمون أني لهم إمام، و اللّه ما أنا لهم بإمام، مالهم لعنهم اللّه، أقول كذا و يقولون كذا. إنما أنا إمام من أطاعني. و من قال بأننا أنبياء، فعليه لعنة اللّه. و من شك في ذلك فعليه لعنة اللّه» [١].
و إذا كان الفاطميون قد أملوا على قاضيهم أن يثبت البراءة من أبي الخطّاب لتنزيه معتقداتهم، فإن بقية الإسماعيلية لم يوافقوهم على ذلك، كما لم يوافقوهم على أعمالهم الأخرى كمحاربتهم القرامطة و التصدّي لجرائمهم، و قد ألمحنا إلى أن التاريخ الإسماعيلي يظهر عليه الاضطراب و عدم الانسجام، لأن هناك فراغا و ثغرات ظلت ظاهرة لم تنفع في ملئها المحاولات الكثيرة، و قد أدى ذلك إلى أقوال غير واقعية، و آراء لا نصيب لها من الصحة، كالقول بأن بذور حركة الإسماعيلية قد بذرت في عهد جعفر بن محمد. يقول عارف تامر- و هو من الإسماعيلية-: و لا يوجد هناك من يستطيع إنكار هذه الحقيقة، و قد كانت هذه الدعوة سرّية، و كان يعمل لها في الخفاء إسماعيل بحياة أبيه، يعاونه الداعية الكبير أبو الخطاب، و جاء بعد إسماعيل ولده محمد، و كان على جانب كبير من العبقرية و الثقافة راجح الفكر ثاقب النظر [٢].
و هذا تحكم واضح، و قول يبعد عن الواقع، و لا أساس له من الصحة، و لكنه يعتقد كبقية الإسماعيلية أن محمد بن إسماعيل خرج من المدينة إلى الكوفة مصحوبا بأخيه و جماعة حركته، و استتر، فبنوا تاريخا لمحمد بن إسماعيل على مقتضى التنظيم
[١] انظر بحث: الغلاة، المجلد الأول، الجزء الأول من الإمام الصادق و المذاهب الأربعة.
[٢] مقدمة كتاب عبقرية الفاطميين لمحمد حسين الأعظمي ص ١٤.