الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٦٨ - عصر مالك و علمه
يا رسول اللّه مالك و الليث يختلفان في المسألة؟ فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): مالك مالك ورث جدّي يعني إبراهيم [١].
و قال بشير بن أبي بكر: رأيت في النوم أني دخلت الجنة، فرأيت الأوزاعي و سفيان الثوري، و لم أر مالك بن أنس. فقلت أين مالك؟ قالوا: و أين مالك؟ رفع مالك رفع مالك. فما زال يقول: و أين مالك، و أين مالك، رفع مالك حتى تسقط قلنسوته [٢].
و روى أبو نعيم عن إبراهيم بن عبد اللّه قول إسماعيل بن مزاحم المروزي قال: رأيت النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في المنام فقلت: يا رسول اللّه من نسأل بعدك؟ قال: مالك بن أنس [٣].
و عن مصعب بن عبد اللّه الزبيري قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إذ أتاه رجل فقال: أيّكم مالك؟ فقالوا: هذا. فسلّم عليه، و اعتنقه، و ضمه إلى صدره و قال: و اللّه لقد رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) البارحة جالسا في هذا الموضع، فقال: ائتوا بمالك. فأتي بك ترعد فرائصك، فقال: ليس بك بأس يا أبا عبد اللّه. و كنّاك و قال: اجلس.
فجلست. قال: افتح حجرك. ففتحته، فملأه مسكا منثورا، و قال: ضمه إليك، و بثّه في أمتي. قال: فبكى مالك و قال: الرؤيا تسر و لا تغر و إن صدقت رؤياك فهو العلم الذي أودعني اللّه [٤].
و يطول بنا المقام لو أحصينا الرؤى و المنامات و ما تفيض به الأحلام. و قد أوردنا بعضا مما كان على عهد مالك نفسه، و بذلك أصبح من حقهم أن يعتمدوا المنامات ركنا، و يلجأ و إليها فيما يريدون ترجيحه و شيوعه، و خلاصة القول؛ إن مالكا عرف بالحفظ و الذاكرة، فاتجه إلى المنحى الذي يتفق مع موهبته، ثم ظهر منه كراهية للسؤال، فمال إلى استخدام سلاح الاتهام بالبدعة. و غالبا ما يظن بالسائل أنه يريد المغالطة، و يقوم بردّه بهذه الآية: وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ و الحال يقتضي التهيؤ للمناظرة، و الإقبال على الحوار، لأن الفترة قد شهدت بوادر اتساع الأقوال في الصفات و إثباتها أو تعطيلها، و ليس من الحكمة في شيء الزجر دون اقناع، أو التعنيف و ترك الحجاج، مما يترك في نفس السائل الحيرة، أو يؤكد في عقله الميل و من ثم الانجراف.
[١] و (٢) الجرح و التعديل ج ١ ص ٢٨.
[٣] حلية الأولياء ج ٦ ص ٣١٧.
[٤] الانتقاء ص ٣٩. و شرح الموطأ للزرقاني ج ١ ص ٤.