الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٧٣ - أبو يوسف
على أصوله، و لا يقوى على مواجهة أهله، الذين قلّ عددهم، و انزوت جموعهم تحت ضغط أفعال الحكّام و سياسة بني العباس. و هكذا ضاق المنصور بأبي حنيفة، و قرر الخلاص منه، و كان لا بدّ له من سبب ظاهري يأخذه به أمام الناس، فعرض عليه قضاء بغداد ثانية، و رفضه أبو حنيفة. و وصله بهدية أرسلها إليه، فردّها عليه، فحبسه و ضيّق عليه، و جعل يضربه كل يوم عشرة أسواط، حتى ضرب عشرة و مائة سوطا [١].
إن الأفكار وليدة التجارب، و للبيئة أثرها في توجيه سلوك الأفراد، و قد كانت لأبي حنيفة تجارب كثيرة، فقد ولد و نشأ في الكوفة، و هي البلدة العربية التي عرفت بنزعتها الثورية و اتجاهها السياسي ضد الحكم الأموي و ميلها للعلويين، و قد شبّ أبو حنيفة في عهد الحجاج بن يوسف. فرأى قسوته و استبداده و سيرته السيئة و حكمه القاسي، و معاملته للناس بما لا يطيقونه من الأذى و العسف، و مات الحجاج و عمر أبي حنيفة حينها خمسة عشر عاما، و شاهد ولاة الأمويين يسيرون بالأمة بالجور، و يخالفون نظم الإسلام اتباعا لملوكهم و طبقا لرغباتهم.
و أصبحت الكوفة قاعدة الثورة ضد الظلم الأموي، و مركزا تتجمع فيه القوات الموالية للعلويين و العباسيين معا. أضف إلى ما احتفظت به الكوفة من نشاط فكري و صراع عقائدي أورثها مشاكل كثيرة، و أصبح مجتمعها مسرحا للخلافات.
و في عصر أبي حنيفة، نشطت الدعوة العلوية لوجود كتلة شيعية قوية أثّرت تأثيرا غالبا في الحركات الفكرية و السياسية، و مع أن الدعوة للثورة كانت مشتركة بين العلويين و العباسيين، فإن الدعاية العباسية كانت محدودة الأثر بالرغم من استغلال العباسيين لشعار الدعوة إلى آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و إقامة تنظيماتهم على هامش المناداة بالرضا من آل محمد، فتعاطف الناس معهم و دخلوا في صفوفهم و هم يظنون بهم خيرا، و أنهم لا يختلفون عن الشيعة الذين كانوا يسعون بإخلاص إلى الانتصاف لآل بيت نبيهم الأطهار الذين ينطبق عليهم لفظ آل محمد، و أن الخلافة من أمور الدين، و هم أحق الناس بالقيام بأمر رسالة جدّهم المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).
و عند ما نزلت بالأمة كارثة استشهاد سيد الشهداء الإمام أبي عبد اللّه
[١] انظر: مقدمة «العالم و المتعلم» للقلعجي و عبد الوهاب الندوي.