الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٨٧ - أحمد بن حنبل ١٦٤- ٢٤١ ه
يدعونه إليه. و لا ننكر أن دافع الحرص على قدسية النص كان وراء موقف أحمد و إجاباته، غير أن الإمام أحمد بالغ في انتهاج النصيّة و الاعتماد على السلف إلى حدّ ألغى فيه فرص التحاور و إمكانية المناظرة، و أدى به إصراره إلى تحاشي الرأي كليا، حتى لكأنه حاول أن يجعل نفسه بعيدا عن الأحداث و لا يقرّ بتحولات الظروف و تطورات الوقائع التي وضع الاجتهاد لمعالجتها و هدي الأمة بالاستنباط من الأصول، و إرشادها باستخراج الأحكام من النصوص، حتى يجد المسلمون في كتاب اللّه و سنّة نبيّه مصدرا يسع كل ما يجدّ من أحداث، و ينطوي على كل ما يقع من الوقائع.
لقد غلب على الإمام أحمد التقيّد بالنص و الاتباع و التقليد، و لم يدع مجالا للرأي، و كان يتحرّى المسائل على ما سمعه و روي له، و يحذر من إجالة الرأي أو التقدير، و لا يجيب إلا في مسألة وقعت. فإن كان احتمالا أو توقّعا امتنع، و لا يحفل إن كان ذلك على أشباه الوقائع القريبة، أو بعيدا عنها.
و على يديه وضعت مبادئ ما عرف عن ابن تيمية و ابن قيّم الجوزية من تعنّت و تزمّت. و يثير قولنا هذا- السلفية و الوهابية- و لا شك، لأنهم أخذوا ما رآه الإمام أحمد وقاية و تحصنا. و جعلوه أساسا لمنطقهم القائم على الإفهام بالابتداع، و استسهال إطلاق الكفر على غيرهم، فيما تركوا الكثير من أقوال الإمام أحمد التي تأتي مرادفة للنصوص التي احتوت أصول أفكارهم، منها: أن الرجل لا يخرجه من الإسلام إلا الشرك العظيم، أو ردّ فريضة جاحدا لها فيما أخذوا معتمدا لهم و أصلا قوله: (فمن قال مخلوق فهو كافر باللّه العظيم، و من لم يكفّره فهو كافر) فاستسهلوا تكفير غيرهم. و منهجه في غلق أبواب النقاش توقّيا و حذرا بقوله: (و لا يقال لم و لا كيف) لأن الأمور التي تبحث العقول عن حقيقتها في ظل ظروف المحنة يراها ليست من السنن، و الكلام فيها مكروه، بل منهي عنه: (لا يكون صاحبه- و إن أصاب بكلامه السنّة- من أهل السنة حتى يدع الجدال و يسلّم و يؤمن بالآثار) فجعلوا ذلك مسوّغا لجمودهم و انغلاقهم.
و خلاصة القول: إنه تمسّك بالأثر دون تمحيص، و اعتمد على السلف، و حكم بأن من يخالف شيئا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها؛ فهو مبتدع خارج