الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٨٥ - أحمد بن حنبل ١٦٤- ٢٤١ ه
و حرية الانتقام من خصومهم أيام المحنة، فلم يسلكوا طريقة أحمد في حياته في الصفح و التجاوز، لأنهم خضعوا لأناس آخرين كان نفعهم في الأذى و مصلحتهم في الأضرار، و منه من رأى في التحول على يد المتوكل و العودة إلى ما كان عليه الأمر قبل المأمون فرصة تسمح لهم بأن يفعلوا بالآخرين ما فعله المأمون، و هكذا تنتهي محنة لتبدأ أخرى.
و قد أخذ المتوكل بإضفاء الطابع الحنبلي على حكمه من خلال قوله و إذاعته المسائل التي يتميز بها أحمد، فقسّم الجوائز على فقهاء و محدّثين، و أجرى عليهم الأرزاق، و أشخصهم، و كان فيهم مصعب الزبيري، و إسحاق بن أبي إسرائيل، و إبراهيم بن عبد اللّه الهروي، و عبد اللّه و عثمان ابنا أبي شيبة. و أمرهم المتوكل أن يجلسوا للناس، و أن يحدّثوا بالأحاديث التي فيها الرد على المعتزلة و الجهمية، و أن يحدّثوا في الرؤية [١]. و هي الأمور التي اشتغل بها أحمد، و أثرت عنه رسالة اشتملت على آرائه و معتقداته في البدعة و السنّة و الرؤية و إجابات ضمّنها أقواله، أشرنا إليها فيما مضى.
و يبدو أن المتوكل أراد أن يستكمل خطته في تبنّي المذهب الحنبلي، فعزم على استقدام أحمد بن حنبل إلى مقرّ ملكه في سامراء. و هي و إن لم تكن على طريقة أسلافه، لأن عمله و ميله إلى أحمد بن حنبل تتداخل فيه عوامل كثيرة، هي مزيج من مشاعر و أهواء و أغراض. إلا أن أحمد نفسه كان غير مستعد لمثل هذا العمل، فهو يتردد أو يحذر من مخالفة الحكام لسبب لا يتفق مع الأسباب التي يدعو إليها أصحاب مبدأ مقاطعة سلطان الظلمة، إذ هو يدعو إلى إطاعة «الإمام» البر و الفاجر مما يجعله بعيدا عن أصحاب الدعوة إلى الثورة على الظلمة، و يحصر القضية في أمور هي من أكبر عوامل الظلم و الجور، و لكنه لا يقرّ بها أسبابا للثورة أو الخروج على حكم المتسلطين.
كان إسحاق بن إبراهيم من كبار رجال الدعوة العباسية، فأمره المتوكل بإشخاص أحمد بن حنبل من بغداد إلى سامراء بعد انتهاء المحنة، فأخبره إسحاق
[١] مناقب أحمد لابن الجوزي ص ٣٥٧.