الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٨٠ - مدرسة الإمام الصادق المنهج و التكوين
الإنسان العقل، و بالعقل يكمل، و هو دليله و مبصره و مفتاح أمره».
و يبيّن (عليه السلام) أصناف طلبة العلم قائلا:
«طلبة العلم على ثلاثة أصناف، فاعرفهم بأعيانهم و صفاتهم: صنف يطلبه للجهل و المراء، و صنف يطلبه للاستطالة و الختل، و صنف يطلبه للفقه و العقل.
فصاحب الجهل و المراء متعرّض للمقال في أندية الرجال، يتذاكر العلم و صفة الحلم، قد تسربل بالخشوع، و تخلى عن الورع، فدقّ اللّه من هذه خيشومه.
و صاحب الاستطالة و الختل ذو خب [١] و ملق، يستطيل على مثله من أشباهه، و يتواضع للأغنياء من دونه.
و صاحب الفقه و العقل ذو كآبة و حزن، يعمل و يخشى، وجلا داعيا مشفقا على شأنه، عارفا بأهل زمانه، مستوحشا من أوثق إخوانه».
و مما أوضحه الإمام الصادق (عليه السلام) من خصائص منهجه، هو اعتماد العقل مع وجوه ما قام به من حركة علمية و اقتران صفاتها العامة به، و قد كان لذلك أثره في تجنب المزالق التي يحدثها القياس الذي على الرأي الذي ينزع كثيرا إلى الهوى و الميل. أما العقل فهو من صفات الاكتمال في شخصية المؤمن، و من مصادر دوام الشرائع و الأحكام. و كبقية القضايا المهمة في وجود الإنسان المسلم، يعرض الإمام الصادق منزلة العقل: فعن محمد بن سليمان عن أبيه قال: قلت لأبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام): فلان من عبادته و دينه و فضله كذا و كذا؟ قال: فقال: «كيف عقله؟» فقلت: لا أدري. فقال: «إن الثواب على قدر العقل. إن رجلا من بني إسرائيل كان يعبد اللّه عز و جل في جزيرة من جزائر البحر، خضراء نضرة كثيرة الشجر طاهرة الماء، و إن ملكا من الملائكة مرّ به فقال: يا رب أرني ثواب عبدك هذا. فأراه اللّه عز و جل ذلك. فاستقله الملك، فأوحى اللّه عز و جل إليه أن أصحبه. فأتاه الملك في صورة أنسي، فقال له: من أنت؟ قال: أنا رجل عابد، بلغنا مكانك و عبادتك بهذا المكان، فجئت لأعبد معك. فكان معه يومه ذلك، فلما أصبح قال له الملك: إن مكانك لنزهة. قال: ليت لربنا حمار لرعيناه في هذا الموضع، فإن هذا الحشيش
[١] الخبّ: الخداع.