الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٨٥ - سيرة مالك
و قد روي عن مالك أنه قال: عرضت كتابي هذا على سبعين فقيها من فقهاء المدينة، فكلهم واطأني عليه، فسمّيته الموطأ. و قيل: لما ألف الموطأ، ألقاه في الماء و قال: إن ابتلّ فلا حاجة لي به. فلم يبتل منه شيء.
و كان قد جمع فيه عشرة آلاف حديث، ثم هذّبه و نقّحه، فلم يبق من ذلك العدد إلا ألف و سبعمائة حديث. و قيل: خمسمائة [١]. و قيل: أقل و أكثر لاختلاف النسخ زيادة و نقصا و إسنادا و إرسالا.
و جملة ما في الموطأ ١٧٢٠ حديثا، المسند منها ٦٠٠، و المرسل ٢٨٨ و الموقوف ٦١٣. و من قول التابعين ٢٨٥.
و قد بلغ من اهتمام العباسيين بالموطأ أنهم عرضوا على مالك أن يكتب بماء الذهب و يعلّق في الكعبة. و أن الرشيد قام يمشي مع مالك إلى منزله ليسمع منه الموطأ، فأجلسه معه على المنصة، فلما أراد أن يقرأه على مالك قال له: تقرؤه علي؟
قال مالك: ما قرأته على أحد منذ زمان، قال: فيخرج الناس عني حتى أقرأه أنا عليك.
فقال: إن العلم إذا منع من العامة لأجل الخاصة لم ينفع اللّه تعالى به الخاصة [٢].
سيرة مالك
: و كيف كان، فإن مالك بن أنس نال الحظوة عند بني العباس. فقد مكّنه المنصور في الحجاز من أن يتمتع بسلطة تنفيذية مع ما خوّله من السلطة التشريعية، و كان من أهم مظاهر إلحاق مالك بالدولة العباسية و اعتباره عالمهم، أن منادي المنصور كان في أيام الحج يعلن: بأن لا يفتي إلا مالك.
و لما قام المهدي بالأمر بعد أبيه، عظمت منزلة مالك، و كان يحترمه و يصله بهدايا جزيلة، و يعطيه عطاء وافرا، و يقرّب مجلسه، و ينفّذ ما يريده، و كان المهدي يشيد بشأن مالك.
و لما جاء الرشيد لم تتغير منزلة مالك، بل كانت تزداد، و كان الرشيد يقصده إذا دخل المدينة و يجلس بين يديه إظهارا لمنزلة مالك و جلبا لأنظار الناس إليه. و أمر عامله ألا يقطع أمرا دون مالك.
[١] شرح الزرقاني على الموطأ ج ١ ص ٧.
[٢] شذرات الذهب ج ١ ص ٢٩١.