الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣١٤ - الإمام زين العابدين
كما واجه (عليه السلام) أنصار البغاة و أتباع الطلقاء، فقد جاءه رجل من أهل البصرة و قال له: يا علي بن الحسين، إن جدّك علي بن أبي طالب قتل المؤمنين. فهملت عينا علي بن الحسين دموعا حتى امتلأت كفّه منها. ثم ضرب بها على الحصى.
ثم قال:
«يا أخا أهل البصرة، لا و اللّه ما قتل عليّ مؤمنا، و لا قتل مسلما، و ما أسلم القوم و لكن استسلموا و كتموا الكفر و أظهروا الإسلام، فلما وجدوا على الكفر أعوانا أظهروه، و قد علمت صاحبة الجدب و المستحفظون من آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أن أصحاب الجمل و أصحاب صفين و أصحاب النهروان لعنوا على لسان النبي الأمي و قد خاب من افترى».
فقال شيخ من أهل الكوفة: يا علي بن الحسين، إن جدّك كان يقول: «إخواننا بغوا علينا».
فقال الإمام زين العابدين (عليه السلام): «أ ما تقرأ كتاب اللّه وَ إِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً فهم مثلهم، أنجى اللّه عز و جل هودا و الذين معه و أهلك عادا بالريح العقيم».
و قد تعرّض له البعض بالإساءة فأغلظوا له القول و أساءوا معه الأدب، فكان ردّه عليهم آية من آيات خلقه و محمود صفاته.
و لم تنل من هيبته و لا مكانته جميع الأفعال التي اعترضته، فقد كان الإمام علي بالمدينة محترما معظما [١] و كان الناس يقبّلون يده [٢].
فهو ممن من اللّه عليهم بالهداية التامة و العصمة الخالصة، و جعلهم في الأرض أصحاب الولاية و حملة الرسالة و حماة الشريعة، إليهم الأمر، و فيهم العلم و النبوة، و قد حفظ اللّه الإمام زين العابدين من مكائد البغاة و سيف يزيد بن معاوية إبقاء لنور الرسالة و صيانة للشريعة في عهد تغلّب فيه الطلقاء، و تحكّم فيه الفسّاق، فترك الإمام زين العابدين و هو يكابد النكبة و يواجه أقسى محنة أثارا كبرى في السلوك و الفكر في العمل و الذكر.
[١] ابن كثير ج ٩ ص ١٠٤.
[٢] القعد الفريد ج ١ ص ١٨٠.