الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٣٩ - أبو حنيفة
و قد صدرت عن مالك بن أنس ألفاظ تعبّر عن عمق التأثر، فقد قيل عنه أنه قال: أنزلوهم- أي العراقيين- منزلة أهل الكتاب، لا تصدّقوهم و لا تكذّبوهم، و قولوا آمنا بالذي أنزل إلينا و أنزل إليكم، و إلهنا و إلهكم واحد [١].
و دخل عليه محمد بن الحسن الشيباني فسمعه يقول هذه المقالة، ثم رفع رأسه فقال للشيباني: يا أبا عبد اللّه، أكره أن تكون غيبة، كذلك أدركت أصحابنا يقولون.
و كان مالك إذا نظر إلى أصحاب الرأي من العراقيين يقرأ: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ [٢].
و كان يسمي الكوفة: دار الضرب. يعني أنها تضع الأحاديث و تخرجها كما تخرج دار الضرب الدراهم و الدنانير.
و قال عطاء لأبي حنيفة: من أين أنت؟
قال: من أهل الكوفة.
قال: أنت من أهل القرية الذين فرّقوا دينهم و كانوا شيعا؟ و إن صدور أمثال هذه الأقوال من رجل كمالك بن أنس- الشخصية الدينية و السياسية في آن واحد- لها أثرها، و إن شيوع أشياء كهذه لها نتائجها الخطيرة التي تستلزم حشد الجهود و تعبئة القوى لردّ خطر ما ينجم من ورائها من تفاعلات. فكانت مقابلات حادة و مواجهات تتصف بالعنف و الخروج عن قواعد المساجلات العلمية.
و قد كانت شهرة أصحاب الرأي سريعة، استطاعت أن تكون بإزاء مدرسة الحديث بتاريخها و مواقعها، و لما كان أبو حنيفة ينتقي أصحابه و يختارهم فيتعاهدهم بالرعاية و العناية كاختياره لأبي يوسف و رعايته للآخرين، لذا فقد تأثروا به غاية التأثّر، و أصبحوا متفرغين لتطبيق منحى الرأي و الدفاع عنه.
كما كان أبو حنيفة يشجّع الجدل بين تلامذته، و يتركهم يتبادلون الأقوال و الحجج، و قد يستغرق ذلك وقتا طويلا في جلسة واحدة و بإشراف أبي حنيفة. حتى نبغ تلامذته، و كانوا من أعمدة القياس، و أصبحت صورة حلقة أبي حنيفة في أذهان الناس تتكون من أجزاء بعضها يكمل بعضا، حتى قال وكيع لرجل قال أخطأ أبو
[١] ابن عبد البر، جامع بيان العلم و فضله ج ٢ ص ١٥٧.
[٢] ضحى الإسلام ج ٢ ص ١٥٢.