الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٠٨ - الإمام زين العابدين
فصعد المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه. و صلى على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ثم قال: «أيها الناس من عرفني فقد عرفني، و من لم يعرفني فأنا أعرّفه بنفسي. أنا ابن مكة و منى، أنا ابن المروة و الصفا، أنا ابن محمد المصطفى، أنا ابن من لا يخفى. أنا ابن من علا فاستعلا، فجاز سدرة المنتهى، فكان من ربّه قاب قوسين أو أدنى». فضج أهل الشام بالبكاء حتى خشي يزيد أن يرحل من مقعده، فقال للمؤذن: أذّن. فلما قال المؤذن:
اللّه أكبر، اللّه أكبر. جلس علي بن الحسين على المنبر. فقال المؤذن: أشهد أن لا إله إلا اللّه و أشهد أن محمدا رسول اللّه. بكى الإمام زين العابدين (عليه السلام) ثم التفت إلى يزيد فقال:
«يا يزيد هذا أبي، أم أبوك؟» قال: بل أبوك، فأنزل.
فنزل (عليه السلام) فأخذ بناحية باب المسجد، فلقيه مكحول- صاحب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- فقال:
كيف أمسيت يا ابن رسول اللّه؟
قال (عليه السلام): «أمسينا بينكم مثل بني إسرائيل في آل فرعون، يذبّحون أبنائهم و يستحيون نساءهم، و في ذلكم بلاء من ربكم عظيم [١]».
و في أشهر الروايات، أن المنهال بن عمرو لقي الإمام زين العابدين في دمشق فقال له: كيف أمسيت يا ابن رسول اللّه قال: «أمسينا كمثل بني إسرائيل في آل فرعون يذبّحون أبناءهم و يستحيون نسائهم. يا منهال أمست العرب تفتخر على العجم بأن محمدا منها، و أمست قريش تفتخر على سائر العرب بأن محمدا منها، و أمسينا معشر أهل بيته و نحن مقتولون مشرّدون، فإنا للّه و إنا إليه راجعون مما أمسينا فيه» [٢].
هكذا كانت بداية مسيرة الإمام زين العابدين، و هكذا كان بدء إمامته و منهج دعوته. و كانت فترة إمامته أربعا و ثلاثين سنة، أدرك الإمام الصادق سنوات منها.
قال الإمام الباقر (عليه السلام): «إن أبي علي بن الحسين (عليه السلام) ما ذكر نعمة اللّه عليه إلّا سجد، و لا قرأ آية من كتاب اللّه عز و جل فيها سجود إلا سجد، و لا دفع اللّه تعالى عنه سوءا يخشاه أو كيد كايد إلا سجد، و لا فرغ من صلاة مفروضة إلا سجد،
[١] الاحتجاج للطبرسي ج ٢ ص ٢٩.
[٢] مثير الأحزان للشيخ ابن نما الحلي ص ٨٤ و اللهوف للسيد ابن طاوس ص ٨١.