الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٧ - ٢- خلق القرآن
في السلوك و التصرّف يلتزم بتعاليم السنة، و يحتج بأحاديث النبي محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و يحاول بهما أن يحمي نفسه و يصون كرامته، و يلوذ بالعلم، و يتوسّل بالفقه ليردّ عنه كيد السلطة، حتى لتطالعنا من بين ملامح تلك الصورة أن أحمد بن حنبل ساير قوة السلطان، و أظهر ما يريد الحكام تحت وقع السياط، ليكفّ الأذى و يدفع العذاب، فهذا مؤرخنا اليعقوبي يقول: و امتحن المعتصم أحمد بن حنبل في خلق القرآن، فقال: أنا رجل علمت علما، و لم أعلم فيه بهذا. فأحضر له الفقهاء، و ناظر عبد الرحمن بن إسحاق و غيره، فامتنع أن يقول أن القرآن مخلوق، فضرب عدة سياط.
فقال إسحاق بن إبراهيم: ولّني يا أمير المؤمنين مناظرته. فقال: شأنك به. فقال إسحاق: هذا العلم الذي علّمته نزل به ملك، أو علمته من الرجال؟ فقال: بل علّمته من الرجال. فقال: شيئا بعد شيء أو جملة؟ فقال: علمته شيئا بعد شيء. قال: فبقي عليك شيء لم تعلمه؟ قال: بقي عليّ. قال: فهذا مما لم تعلمه، و قد علمك أمير المؤمنين. قال: فإني أقول بقول أمير المؤمنين. قال: في خلق القرآن؟ قال: في خلق القرآن. قال: فأشهد عليه، فخلع عليه و أطلقه. انتهى. و هنا نلاحظ أن أحمد بن حنبل بعد خروجه من السجن و امتحان القوة له، قد وجد العامة التي تضرّرت بمواقف و سياسة المأمون و خلفه تنتظر خروجه و تتشوق للقياه، فيبالغ في الرد، و يسمح لنفسه بالحكم على مخالفيه بما لم يرد به نص، و بما يخالف ما احتج به أمام قوة السلطان و هو يمتحن أمام خلفاء بني العباس و يتقي اعتداءهم. كما نلاحظ في عموم سيرته غموضا، و أحيانا خفاء في رأيه في الإمام علي (عليه السلام) أو يزيد بن معاوية، إذ تضطرب كما في الروايات، و مهما يكن من أمر، فإن العامة قد وجدت نفسها مستهدفة من قبل سياسة بني العباس في عهد المأمون و خلفيه حيث ظهرت السلطة بمظهر العلم و صفة المتكلّمين. و قد كان المأمون شديدا عليهم و هو يستعير منطق المعتزلة و أفكارهم، و يصدر أوامره السلطانية من مرو ليلبس حكمه لبوس المرحلة، فيقول في أول كتاب له: و قد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم و السواد الأكبر من حشو الرعية و سفلة العامة فمن لا نظر له، و لا رؤية و لا استدلال له بدلالة اللّه و هدايته، و لا استضاء بنور العلم و برهانه في جميع الأقطار و الآفاق، أهل جهالة باللّه و عمى عنه، و ضلالة عن حقيقة دينه و توحيده و الإيمان به، و نكوب عن واضحات إعلامه و واجب سبيله، و قصور عن أن يقدروا اللّه حق قدره، و يعرفوه كنه معرفته، و يفرقوا بينه و بين