الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٥ - ٢- خلق القرآن
السلطة و أصحاب الأغراض المختلفة، فعمد إلى سلطة الحكم لأحداث هزّة في طريقة بقاء الناس على استسلامهم و استمرارهم على موروثهم، و فكّر في المجاهرة بأمور ينتهي إليها النظر الجريء و الحرّ، لكن حركة الرأي و نشاط العقل مهما شهدت من ألوان و ضروب متطورة، لم تشمل المجتمع بأسره، و لم تسع الناس جميعا، و لا بد أن يبرز للموروث موقف، كما أنها ليست هي الدين كله. و قد أساء بذلك.
لقد تهيأت الظروف لأن يبرز أحمد بن حنبل. و كان وراءه شيوخ آخرون دفعوه إلى الثبات بوجه المأمون و عدم الإذعان، كأبي جعفر الأنباري الذي لحق بابن حنبل لمّا حمل إلى المأمون و قال له: يا هذا، أنت اليوم رأس و الناس يقتدون بك، فو اللّه لأن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبني بإجابتك خلق من خلق اللّه، و إن أنت لم تجب ليمتنعنّ خلق من الناس كثير، و مع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فأنت تموت، و لا بد من الموت، فاتق اللّه و لا تجبهم إلى شيء. فجعل أحمد يبكي و يقول: ما شاء اللّه، ما شاء اللّه. ثم قال أحمد: يا أبا جعفر، أعد عليّ ما قلت. فأعاد عليه، فجعل يقول: ما شاء اللّه، ما شاء اللّه [١].
و قد انتهى الأمر إلى أن يبقى أحمد بن حنبل وحده في امتحان السلطة له، حيث تخلّى كل نفر عن الثبات، و لم يبق معه إلا محمد بن نوح الذي كان معه في الاقتياد إلى المأمون، و قام محمد بن نوح بما يقوم به الآخرون و هم خارج الاعتقال، و الذين أخذوا يرون في أحمد رمزا لبقاء مناهجهم و طرقهم في القول و الحكم. و قد كان محمد بن نوح حدثا و هو يمثل حالة أو مرحلة عمرية تشد إليها من كانوا في عمره، فكيف إذا كانت نهايته الموت و هو في ظل الاعتقال و التعذيب، فقد مات و هما في الطريق إلى المأمون. و لكن محمد بن نوح كان يقول لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد اللّه اللّه اللّه، إنك لست مثلي، أنت رجل يقتدى بك، و قد مدّ الخلق أعناقهم إليك بما يكون منك. فاتق اللّه و اثبت لأمر اللّه [٢].
و توفي المأمون في السنة نفسها، و خلفه المعتصم، و كان المأمون قد وضع لأخيه السياسة التي يلتزمها، و قد كان استمراره على القول بخلق القرآن لا عن وعي
[١] ابن الجوزي، مناقب الإمام أحمد بن حنبل ص ٣١٤.
[٢] أيضا ص ٣١٥.