الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٦١ - أبو يوسف
أداتها في الإساءة إلى علم الإمام جعفر بن محمد الصادق عند ما كلفه المنصور بأن يحضّر من المسائل ما يتوهّمه صعبا على الإمام الصادق. و كان حقد المنصور على الإمام قد سوّغ له أن يتوسل بأمر ليس للإمام الصادق منازع فيه أو صنو. و نعلم أن لقاء أبي حنيفة هذا الذي تم بإشراف المنصور، قد فتح لأبي حنيفة مرحلة جديدة في علمه و سير حياته. فكان لا يدع فرصة تقرّبه من الإمام إلا استغلها خاصة في الموسم، و ليس بخاف أن الإمام الصادق كان لا يقرّب أحدا إلا أن يكون ذا نفع، حتى أنه أبعد عنه المتقربين إلى الحكام و حرّم الولاية لهم، لأنه (عليه السلام) كان يرى: «أن ولاية الجائر دروس الحق كله، و إحياء الباطل كله، و إظهار الظلم و الجور». و مما ورد عنه أيضا:
«العامل بالظلم و المعين له و الراضي به شركاء». و دخل عليه عذافر فقال (عليه السلام):
«بلغني أنك تعامل أبا أيوب و الربيع، فما حالك إذا نودي بك في أعوان الظلمة؟» و نهى يونس بن يعقوب عن معاونتهم، حتى على بناء المساجد [١].
و إذا نظرنا إلى الفترة التي برز فيها أبو يوسف، لم نجد من أسباب للبعد عن مواقف أبي حنيفة و التحوّل عن نهجه تحت ظروف الخوف أو الإكراه، و هي فترة خطيرة الأثر في حياة المسلمين، إذ على يديه أرسيت قاعدة المذهب الرسمي للدولة، و بفعل منصبه كقاضي للقضاة اقترنت بشكل جذري حركة المذاهب بأغراض السياسة و مشيئة الحكام.
و ليس هناك فارق زمني كبير يبرّر ما حدث من تفاوت بين سيرة و سلوك رئيس المذهب الذي تعرّض للتعذيب و القتل على يد الحكام، و بين أبرز تلامذته الذي انضمّ إلى الحكّام، فكان واحدا منهم.
و إذا تغيّر الحاكم العباسي بعد المنصور، فيأتي الهادي، ثم الرشيد، فإن أسس السياسة و أغراضها واحدة، و بإزائها نرى مسيرة الأئمة من أهل البيت ثابتة و راسخة، فبعد وفاة الإمام الصادق (عليه السلام) قام مقامه في الإمامة ابنه العبد الصالح [٢] الإمام موسى بن جعفر الكاظم، الذي عانى من أهوال بني العباس و ظلمهم الأمرين حتى استشهد.
[١] للمزيد راجع الجزء الثاني من الكتاب.
[٢] كان الإمام موسى يعرف بالعبد الصالح لكثرة عبادته.