الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٦٠ - أبو يوسف
و الحاصل، إن مذهب أبي حنيفة لم يكن هو مجموع أقواله و آرائه، قد رأينا أصحابه ينفردون بأقوالهم. و لكن حاول الحنفية جعل جميع الأقوال منسوبة إليه لأنها على قواعده و أصوله.
يقول ابن عابدين: (إن ما خالف فيه الأصحاب إمامهم الأعظم لا يخرج عن مذهبه، إذا رجّحه المشايخ المعتبرون. و كذا ما بناه المشايخ على العرف الحادث لتغيير الزمان، أو للضرورة، أو نحو ذلك، لا يخرج عن مذهبه أيضا، لأن ما رجّحوه لترجيح دليله عندهم مأذون فيه من جهة الإمام. و كذا ما بنوه عليه من تغيير الزمان و الضرورة، باعتبار أنه لو كان حيا لقال بما قالوه، لأن ما قالوه إنما هو مبني على قواعده أيضا، فهو مقتضى مذهبه ....) الخ [١].
لقد ابتليت الأمة بحكّام أسرفوا في البذخ و التمتع من الدنيا، كما أسرفوا في الظلم و التعدّي على الرعية. و قد قام كل من أهل البيت بما يجب عليه في نصرة العدل و محاربة الظلم، و بذلوا أنفسهم لتحقيق ما دعا إليه الإسلام بما يكفل للأمة السعادة، لذلك كانوا طعمة لسيوف الظالمين، لأنهم كانوا حربا على الطغاة و الجبارين، و لم يركنوا إلى الظلمة، و لم يتعاونوا معهم امتثالا لأمره تعالى: وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ و إذ رأينا اتصال أبي حنيفة بأهل البيت و ميله السياسي إلى حركة زيد الشهيد، و اعترافه بأن الإمام الصادق أفقه الناس، و إقباله على الأخذ عنه، فإن رفض أبي حنيفة العمل للحكام قد يكون من نتائج تمسّكه بنهج أهل البيت في التباين مع الظالمين و عدم الدخول فيما هم فيه.
و لئن نشأ أبو حنيفة في أجواء مغرية و ظروف مواتية، فإن ما عاناه كان شاقا و عسيرا، إذ كان عليه أن يوفق بين وجوده وسط تلك الأجواء، و بين اعتقاداته و قناعاته. و اكتشف أن السياسة لها نهجها الثابت في معاداة أهل البيت بالرغم من تغيّر الرجال و ما تبعثه القربى من احتمالات بعد أن جاء بنو العباس إلى الحكم تحت ستار الرضى من آل محمد، و هم أقرب نسبا و أولى بالبر، فرأى كيف تزهق الأرواح و تداس الكرامات و ترتكب المجازر بحق آل البيت. ثم وقع عليه اختيار السلطة في أن يكون
[١] ابن عابدين، رسم المفتي ص ٢٥.