الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٩٩ - مدرسة الإمام الصادق المنهج و التكوين
سقما، و كم من طبيب عالم، و بصير بالأدواء و الأدوية ماهر مات، و عاش جاهل بالطب بعده زمانا، فلا ذاك نفعه علمه بطبّه عند انقطاع مدته و حضور أجله، و لا هذا ضرّه الجهل بالطب مع بقاء المدة و تأخر الأجل».
ثم قال (عليه السلام): «إن أكثر الأطباء قالوا: إن علم الطب لم تعرفه الأنبياء، فما نصنع على قياس قولهم بعلم زعموا ليس تعرفه الأنبياء الذين كانوا حجج اللّه على خلقه و أمناءه في أرضه و خزّان علمه، و ورثة حكمته، و الإدلاء عليه، و الدعاة إلى طاعته. ثم إني وجدت أن أكثرهم يتنكب في مذهبه سبل الأنبياء، و يكذّب الكتب المنزلة عليهم من اللّه تبارك و تعالى. فهذا الذي أزهدني في طلبه و حامليه» ... ا ه.
و يظهر لنا من أجوبة الإمام الصادق (عليه السلام) و مناظراته، أن المسائل التي احتوتها لم تترك ضربا من التساؤل و التفكر يتعلق بعلم أو تاريخ أو دين أو فقه إلّا و أشبعته إيضاحا و بيانا، و يجري الكلام في منهج يعتبر القصد و يراعي الغرض، لأن طريقة الاحتجاج و الردّ في منهج الإمام الصادق هي غير طريقة الإرشاد و النصح و التعليم، و علامات كل منهما واضحة.
روى محمد بن مسلم و الحلبي عن أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) في قول اللّه عز و جل: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِ فقال: «إن اللّه عز و جل اشترط على الناس شرطا، و شرط لهم شرطا، فمن وفى له وفى اللّه له». فقالا له: فما الذي اشترط عليهم، و ما الذي شرط لهم؟ فقال:
«أما الذي اشترط عليهم، فإنه قال الحج أشهر معلومات، فمن فرض فيهن الحج فلا رفث و لا فسوق و لا جدال في الحج. و أما الذي اشترط لهم، فإنه قال: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، و من تأخر فلا إثم عليه لمن أتقى. فقال: يرجع و لا ذنب له».
فقالا: أ رأيت من أبتلي بالفسوق ما عليه؟ قال: «لم يجعل اللّه عز و جل له حدا، يستغفر اللّه و يلبي». فقالا: فمن أبتلي بالجدال فما عليه؟ فقال: «إذا جادل فوق مرتين، فعلى المصيب دم يهريقه شاة و على المخطئ بقرة» ا ه.
و حين يتدرج الزنادقة و الملحدون في محاورته، و يسأله المشككون و الكفار بكل ما يعنّ لهم، ترى جوابه (عليه السلام) بشيء من الإيجاز المذهل الذي يجمع أطراف المعرفة و يضمّ الأدلة الشافية.