الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٦٦ - عصر مالك و علمه
الحرس؟ فجاءه نفسان. فقال: خذا صاحب هذا الثوب فاحبساه. فحبس، فقيل له:
إنه ابن مهدي. فوجه إليه و حضر عنده فقال له: أ ما خفت اللّه و اتقيته إن وضعت ثوبك بين يديك في الصف و أشغلت المصلين بالنظر إليه، و أحدثت في مسجدنا شيئا ما كنا نعرفه، و قد قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): من أحدث في ديننا شيئا فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين [١].
و يروي كتّاب مناقب مالك، أن أمه قالت له: اذهب إلى ربيعة، فتعلّم من أدبه قبل علمه. قال مالك: كان لي أخ في سن ابن شهاب [٢] فألقى أبي يوما علينا مسألة، فأصاب أخي و أخطأت، فقال لي أبي: ألهتك الحمام عن طلب العلم. فغضبت، و انقطعت إلى ابن هرمز [٣] سبع سنين. و في رواية ثمان سنين لم أخلطه بغيره، و كنت أجعل في كمي تمرا و أناوله صبيانه و أقول لهم: إن سألكم أحد عن الشيخ فقولوا مشغول! يريد أن ينفرد بالشيخ و لا يشاركه أحد بمجلسه، و لا بد أن الصبيان قالوا بما أراد لهم أن يقولوا.
و يذكر مالك مدة اختلافه إلى ابن هرمز ثلاثين سنة، فيشير إلى المدة دون ذكر ابن هرمز كما أراد، و الناس تعرف منه الإشارة.
كذلك أخذ مالك عن نافع مولى بن عمر، و قال: كنت آتي نافعا نصف النهار و ما تظلني الشجر من الشمس، أتحيّن خروجه، فإذا خرج أدعه ساعة كأني لم أره، ثم أتعرض له فأسلّم عليه و أدعه، حتى إذا دخل البلاط أقول له: كيف قال ابن عمر في كذا و كذا؟ فيجيبني، ثم أحبس عنه، و كان فيه حدّة، و كنت آتي ابن هرمز من بكرة فما أخرج من بيته حتى الليل.
و القصد أن مالكا أراد أن يتهيأ للفتيا، و أن يتأهل للحديث. و لكن موهبة الحفظ و الذاكرة عنده كانت أظهر من غيرها، فيروى أنه قال: (حدثني ابن شهاب أربعين حديثا و نيفا فيها حديث السقيفة، فحفظت، ثم قلت: أعدها عليّ فإني نسيت النيف.
فأبى، فقلت: أ ما كنت تحب أن يعاد عليك؟ قال: بلى. فأعاد، فإذا هو كما حفظت). و اشتهر عنه ذلك و كان من أخص صفاته. يقول سفيان بن عيينة: دارت
[١] الاعتصام ج ٢ ص ٦٨. و المدارك ص ١٣٠.
[٢] و (٣) انظر ترجمتهما في الجزء الثاني.