الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٢ - ٢- خلق القرآن
فقالوا: إن الكتب التي تنسب إليه ليست له، و إنها للصولي، فسرقها و نسبها لنفسه [١].
و اتسع نشاطهم فعمّت الفوضى في البلاد، و ذلك في عهد الراضي، فأصدر منشورا يردّ عليهم و يعدّد مساوئهم، و يهدّدهم بالعقاب، و النكال. و جاء في المنشور الذي وجهه إليهم قوله:
و قد تأمل أمير المؤمنين أمر جماعتكم، و كشفت له الخبرة عن مذهب صاحبكم .... [٢] زيّن لحزبه المحظور، و يدلي لهم حبل الغرور، فمن ذلك تشاغلكم بالكلام في ربّ العزّة تباركت أسماؤه، و في نبيّه و العرش و الكرسي، و طعنكم على خيار الأمة، و نسبتكم شيعة أهل بيت رسول اللّه إلى الكفر و الضلال، و إرصادهم في الطرقات و المحال، ثم استدعاؤكم المسلمين إلى التدين بالبدع الظاهرة و المذاهب الفاجرة التي لا يشهد بها القرآن. إلى آخر ما يتضمنه المنشور من تعداد مساوئ تلك الخصال، و التهديد لهم بالعقوبة و عظيم النكال.
إذن، تمكّن التعصب من نفوس العامة، و اشتدّ أمر الحنابلة، و كان منهجهم يتّسم بالعنف، و التعدي على كل من خالفهم الرأي. و هكذا تلونت الأحداث بتعدد الحكام و تغيّر الأغراض، فإذا ارتأى المأمون أن تكون قضايا الفكر و العمل شعارا لدولته فقد كان ينزع إلى خدمة الحكم و توطيد أركان السلطان، حتى استطاع أن يجعل المتعلقين بالحكم و المستفيدين من الخلافة تبعا له في رأيه.
و يقتضي البحث أن نشير دون تفصيل إلى أوامره في هذه المشكلة، و هي إن أدرجت في عرض للمقارنة نراها تضمّ أفكار المعتزلة، و هذه الأوامر تذكر دوما في المراجع و الكتب التي تؤرخ لهذه القضية، و تجدها مبسوطة فيها، و نحن نختار ما صدر من المأمون عند ما كان في الرّقة، و نقتصر منه على الجزء الذي يتناول مسألة خلق القرآن، و كان ذلك سنة ٢١٨ ه- كما ذكرنا- فقد قرر المأمون أن يتولى إلزام الناس بالقول في خلق القرآن، و اختار أن يبدأ بأنفار عيّن أسماءهم، منهم: محمد بن سعد كاتب الواقدي، و أبو مسلم مستملي يزيد بن هارون، و يحيى بن معين، و زهير بن حرب أبو خيثمة، و إسماعيل بن داود، و إسماعيل بن أبي مسعود،
[١] ابن مسكويه، تجارب الأمم ج ١ ص ٣٢٢.
[٢] بياض في الأصل.