الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٢٠ - الأمر الثاني الزهد
مسائلك. فجعلت ألقي عليه، فيجيبني فيقول: «أنتم تقولون كذا، و أهل المدينة يقولون كذا، و نحن نقول كذا» فربما تابعنا و ربما تابعهم، و ربما خالفنا جميعا، حتى أتيت على الأربعين مسألة ما أخلّ منها بمسألة. ثم قال أبو حنيفة (رحمه اللّه): ألسنا روينا أن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس [١].
و للإمام الصادق (عليه السلام) بناء بلاغي في المواعظ يقوم على عوامل من الفقه و التصوير و البيان، ليجعل منها وسيلة للنفوس و الأفهام، كقوله (عليه السلام): «التقوى على ثلاثة أوجه: تقوى باللّه في اللّه، و هو ترك الحلال فضلا عن الشبهة، و هو تقوى خاص الخالص. و تقوى من اللّه، و هو ترك الشبهات فضلا عن الحرام، و هو تقوى الخاص.
و تقوى من خوف النار و العقاب و هو ترك الحرام، و هو تقوى العام. و مثل التقوى كماء يجري في نهر، و مثل هذه الطبقات الثلاث في معنى التقوى كأشجار مغروسة على حافة ذلك النهر من كل لون و جنس، و كل شجرة منها تستمص الماء من ذلك على قدر جوهره و طعمه و لطافته و كثافته، ثم منافع الخلق من تلك الأشجار و الثمار على قدرها و قيمتها».
فكان هذا البناء البلاغي مادة للادعاء بتفسيرات صوفية للقرآن تنسب إلى الإمام الصادق (عليه السلام) تولّى إشاعتها و الإقدام على وضعها الصوفي أبو عبد الرحمن السلمي [٢] في طبقاته، و في حقائق التفسير.
و من رجال الصوفية الكبار ممن صنّفهم السلمي في الطبقة الأولى كأبي يزيد البسطامي، من راح يتعلق بمناسبة و بدون مناسبة بالاتصال بالإمام الصادق، و يزيد في ذلك و يبالغ، كما راح أبو يزيد يأخذ أقوال الأئمة ليصوغها بألفاظه، و على الأخص أقوال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) منها: «عرفت اللّه باللّه، و عرفت ما دون اللّه بنور اللّه».
و سئل: ما علامة العارف؟ فقال: أن لا يفتر عن ذكره، و لا يملّ من حقه، و لا يستأنس بغيره.
و هم أرادوا أن يقحموا الإمام الصادق في حالاتهم، و يدّعون عليه زورا ما
[١] مناقب الإمام أبي حنيفة للموفق المكي ط ١ ص ١٧٣ ج ١.
[٢] محمد بن الحسين بن موسى الأزدي النيسابوري المتوفى سنة ٤١٢.