الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٢٢ - الأمر الثاني الزهد
بها، فلم يثبت جسمي لمعاينة قدرته» أي أنه (عليه السلام) كان يتدبّر في وجوه القدرة و جوانب العظمة و دلالة الوجود.
و عن أبي بصير عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: قلت له: أخبرني عن اللّه عز و جل هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟ قال «نعم، و قد رأوه قبل يوم القيامة» فقلت:
متى؟ قال (عليه السلام): «حين قال عز و جل لهم: أ لست بربكم قالوا: بلى» ثم سكت ساعة، ثم قال (عليه السلام): «و إن المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيامة، أ لست تراه في وقتك هذا؟» قال أبو بصير: فقلت له جعلت فداك، فأحدّث بهذا عنك؟
فقال (عليه السلام): «لا، فإنك إذا حدّثت به فأنكره منكر جاهل بمعنى ما تقوله، ثم قدّر أن ذلك تشبيه كفر، و ليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين، تعالى اللّه عما يصفه المشبّهون و الملحدون».
كما أن الإمام الصادق كان يأمر أصحابه بمنع الزكاة عمن قال بالجسم.
إن التدقيق في أقوال الإمام جعفر بن محمد الصادق، و الإمعان في معرفة منهجه في الوعظ و الإرشاد، يؤدي إلى معرفة ما يرمي إليه الإمام (عليه السلام) من إصلاح الأمة و توجيه الرعية بسبل واضحة و ألفاظ جلية، تستمد من القرآن و السنة معانيها و مضامينها، فليس للخيال الذي يفلت من النص أثر في جوامع كلمه (عليه السلام) كما أنه (عليه السلام) يتقيد بالنص و مناسبته أو علته، لكي لا يدع للآخرين مجالا يتذرعون به، فيتركون العنان لشطحاتهم و نزعاتهم تنال من أسباب التشريع أو تنحرف عن أغراض التنزيل ينتحلون ما يشاؤون.
و من حق الصوفية أن يثنوا على نظرية الإمام في المعرفة، و أقواله في التوبة و محاسبة النفس، لكن ليس من حقهم أن يجعلوا تراثه الفكري مادة لبناء مصطلحاتهم و مباحثهم، فالإمام تناول كل ما يتعلق بسلوك المؤمن و علاقة المسلم بربه، و أوضح بمزيد من البيان كل ما يتعلّق بوجود المؤمن في مجتمعه، و علاقة المسلم بإخوانه، فليس هناك من أحاديث الصادق (عليه السلام) المأثورة ما يشبه في صياغته و بنائه بيان الصوفية و صورهم و أخيلتهم، فمنها ما لدينا عن الشيخ الصدوق في معاني الأخبار، أن الإمام الصادق قال في قوله عز و جل: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ قال (عليه السلام):
«يقول: أرشدنا إلى الصراط المستقيم، أرشدنا للزوم الطريق المؤدي إلى محبتك و المبلّغ إلى دينك، و المانع من أن نتّبع أهواءنا فنعطب، أو نأخذ بآرائنا فنهلك».