الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٢١ - الأمر الثاني الزهد
درجوا عليه من الحلول أو التجسيم التي كان يغالي بها البسطامي، و من أخفّها قوله:
إنه ضرب الخيمة محاذاة العرش. و أنه يرى اللّه في المنام، و أنه مرة جلس في محرابه فمدّ رجله، فهتف به هاتف: من جالس الملوك ينبغي أن يجالسهم بحسن الأدب.
و حكي عنه أنه كان يقول: سبحاني سبحاني.
فيقولون أنه نقل عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه خرّ مغشيا عليه و هو في الصلاة، فسئل عن ذلك، فقال: «ما زلت أردد الآية حتى سمعتها من المتكلم بها» [١].
و إذا استعصى عليهم القول، ساقوه عن الإمام الصادق بنصه، ثم ألحقوا به إشارة أو بيانا يفيد ما يقصدون، كذكرهم قول الإمام الصادق: «لقد تجلّى اللّه تعالى لعباده في كلامه، و لكن لا يبصرون». فيبيّنون بعد النصّ قصدهم بالقول: فيكون لكل آية مطلع من هذا الوجه، فالحدّ: حد الكلام، و المطلع: الترقي عن الكلام إلى شهود المتكلم! مما يوهم بالاعتقاد بالرؤية، و القول في اللّه بمشابهته عز و جل للمخلوقات من حيث النظر إليه سبحانه كما ينظر الإنسان إلى جسم محدود، تعالى اللّه عن ذلك، و حاشا أئمة أهل البيت و أعمدة الهدى و نواب صاحب الرسالة من قول ذلك.
و السلمي من أكثرهم نقلا للأقوال التي تنسب للإمام الصادق (عليه السلام) و هي تتراوح بين الإيغال في الغوامض و الإشارات على طريقتهم المعهودة، و بين محاكاة الرموز، كذكره لقول الإمام (عليه السلام) الحمد للّه: من حمده بصفاته كما وصف نفسه فقد حمد، لأن الحمد حاء و ميم و دال. فالحاء من الوحدانية و الميم من الملك و الدال من الديمومة.
و لقد حسم الإمام الصادق (عليه السلام) هذه المسألة بقول يغلق أبواب التأويل و يفضح التقوّل و الادّعاء، إذ قال (عليه السلام): «و اللّه لقد تجلّى اللّه عز و جل لخلقه في كلامه، و لكنهم لا يبصرون». و نجد أن التعقيب على النص و الإشارات القائمة عليه غريبة و أجنبية لا تؤثر في عقيدة التنزيه و ردّ التجسيم و التشبيه.
كذلك فإنهم في النصوص ينتزعون ما يوافق هواهم و مقاصدهم و لا يذكرون النص بكامله، و لا يوردون القول بتفاصيله، فقوله (عليه السلام) الذي مرّ بنا و هو يردّد الآية جاء مبتورا، إذ حقيقة قوله: «ما زلت أردّد الآية على قلبي، حتى سمعتها من المتكلم
[١] السهروردي، عوارف المعارف. و الإحياء للغزالي ج ٣ ص ٥٢٠.