الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١١٩ - الأمر الثاني الزهد
المجتمع، و احتل موقع القيادة و الأعلمية؛ فاتجهت إليه الأنظار، و قصدته الوفود من كل الأمصار.
و قد شهد في حياته فترة من العصر الإسلامي اشتدت فيها التحولات السياسية و نمت فيها بذور التطورات الفكرية، و استطاع الإمام الصادق (عليه السلام) أن يقف في زحمة الأحداث و وسط تلك المعتركات على اختلاف صورها، و يترك آثاره في كل جانب من حياة المجتمع، و يؤثر في كل ناحية فكرية، فلا غرو أن تكون سيرته مصدر إلهام و معين علم. أما إذا تحكّم الهوى و غلبت الرغبات، فلا عجب أن تخرج شواهد سيرته و أحداث حياته عن إطارها الحقيقي، و تصرف أقواله عن مقاصدها الأصلية، و أن تبرز عبر فترات متفاوتة و متوالية آراء تبغي الإساءة، و تنفضح مقاصدها و أغراضها.
و لا ننسى أن نذكر من يضاف إلى هؤلاء من المستشرقين [١] الذين بثوا سموم دعاواهم و نظرياتهم بين أبناء أمتنا، حتى أن البعض منهم عند ما يرى الجوانب العظيمة في شخصية الإمام الصادق، يحاول أن يرجعها إلى أصول يونانية. و هو قول نراه من السخف بحيث لا يستحق أي عناء في الرد.
لقد كان لأبي عبد اللّه الإمام جعفر بن محمد الصادق من البيان و الحكمة ما جعله متميزا في الفقه، و منهج الوعظ، و خطة الإصلاح.
سئل أبو حنيفة: من أفقه من رأيت؟ قال: ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد الصادق، لما أقدمه المنصور بعث إليّ فقال: يا أبا حنيفة إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد، فهيّئ له من المسائل الشداد. فهيأت له أربعين مسألة، ثم بعث إلي أبو جعفر- و هو بالحيرة- فأتيته، فدخلت عليه و جعفر بن محمد جالس عن يمينه، فلما بصرت به دخلتني من الهيبة لجعفر بن محمد الصادق ما لم يدخلني لأبي جعفر، فسلّمت عليه و أومأ إليّ فجلست، ثم التفت إليّ فقال: يا أبا حنيفة. ألق على أبي عبد اللّه من
[١] لم نخض في افتراءات المستشرقين على شخصية جابر بن حيان أبي الكيمياء و تلميذ الإمام الصادق (عليه السلام) و سلوكهم مختلف الوسائل للإساءة إلى أستاذ جابر و إمامه من تشكيك و نسبة إلى الصوفية أو الإسماعيلية أو إنكار وجوده و غيرها، و جميعها لم تؤثر على مكانة الإمام الصادق، و اتصال جار بمدرسته (عليه السلام) و التخرّج على يديه. و من الجليّ أنهم استعظموا أن يكون في الإسلام رجل كجابر الذي أنكروا وجوده، فكيف لا يهولهم أن يكون في تاريخنا من هو أعظم من جابر و صاحب فكر تخرّج عليه العلماء. راجع الجزء الثاني من هذا الكتاب.