سند الأصول، بحوث في أصول القانون و مباني الأدلة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٨٥ - مناقشة الدليل الثالث
ولكن الصحيح ما نظره المتقدّمون من الفلاسفة إلى الفارابي من أنّ قوّة العقل العملي قوّة عمّالة ونكتشف صحّة هذا التنظير من مجموعة من المسلّمات التي اتّفق عليها الجميع مع بعض التحقيقات الحديثة:
١. الجميع سلّموا أنّ الإدراك يولّد إذعاناً.
٢. كذا سلّموا أنّ الإذعان يولّد شوقاً.
٣. وسلّموا أيضاً أنّ كمال الإنسان يكون بخضوع وتطويع وانصياع قواه الدانية لقواه العالية.
٤. مع تسليم الجميع بأنّ الإنصياع المذكور يتمّ بإدراك القوّة العاقلة واذعانها فيتولّد الشوق في ما دون أو النفرة وهو البعث والزجر التكويني.
٥. لا يمكن أن يكون هذا الإذعان وليد معلول لواهمة أو لمخيّلة؛ لأنّ الإذعان كلّي فلا يصدر إلّا من قوّة مجرّدة. فهو يحصل في القضايا العقلية البحتة كالإذعان بوجود اللّه سبحانه.
٦. آخر التحقيقات يقول: إنّ العلم صرف الإدراك وهو يولّد الحكم، فالحكم فعل تقوم به النفس في ظرف الإدراك الذهني، فليس هو من مقولة العلم، فاختلافهما سنخاً دليل وجود قوّتين لا واحدة.
٧. تسليم الأعلام أنّ الإيمان من أشرف العلوم أو أشرف من العلوم لأنّه علم وصل إلى حدّ التأثير، فهو إدراك وعمل والإيمان يكون نتاج العقل كما يذكر في علم النفس الحديث أنّ الإيمان مهما كان متعلّقه- ولو الحجر- من كمالات النفس البشرية، والنفس التي لا تؤمن مريضة مذبذبة لا يمكن أن تحصل على كمالاتها وإن بلغت من الإدراك ما بلغت.
*
من مجموع هذه النقاط يعرف أنها لا تنسجم مع نظرية الإصفهاني التي تحصر دور العقل بالإدراك، وتصنّف الإنفعال والشوق والنفرة
في القوى الدانية الحيوانية.