سند الأصول، بحوث في أصول القانون و مباني الأدلة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٩٤ - ٣ كلام العلّامة الطباطبائي في الإعتبار (شرح النظرية الثالثة)
وجوده.
فجوابه: أنّ إرادته لا لتوليد الأسد الموجود وايجاده، و إنما للهرب منه و هو أمر مفقود، فالإنسان يريد شرب الماء الذي هو مفقود.
إذن مبدأ الإرادة هو إدراك ما ليس بموجود مع التصديق بضرورته، عندها تحصل الإرادة. و هذا الشيء المفقود الذي يدرك والذي كان وراء تحقّق الإرادة أمر موهوم لا واقع له وهذا هو الإعتبار. فالتعقل و الإدراك للشيء وإن كان تكوينياً حقيقياً، إلّا أنّ المُدرَك، لمّا كان لا وجود له في الخارج بَعدُ، كان هو الإعتبار و هو الذي يكون مولّداً للإرادة حصراً، إذ الإرادة لا تتولّد عن المدركات التي لها مطابق خارجي موجود أو منشأ انتزاع خارجي.
فتلخص: إنّ الإعتبار عبارة عن المدركات الموهومة التي لا تحصّل لها في الخارج، والتي تكون معدّة لحدوث الإرادة لتحصيلها وايجادها خارجاً. فالفارق بين الإدراك العقلي والوهمي أنّ الأول كلّي والثاني جزئي، و حينئذ فالإعتبار يتصور حتّى في الإدراكات الكلّية إذا كانت لشيء مفقود و لا يختص بالوهم، و من ثمّ يتصور الإعتبار كلّياً، وتسميته بالوهم خلاف الإصطلاح، و أنّ الصحيح هو أنّ الإعتبار إدراك كمال لا وجود له أعم من أن يكون الإدراك عقليا كلّياً، أو وهمياً جزئياً.
ثمّ إنّ الفعل الإرادي يسبقه بالضرورة إدراك للكمال الموجود، وهو يكون الحجر الأساس لاستلال الإعتبار، و إنّ الادراكات الأولية غير اختيارية، كما أنّ الإعداد لها ليس اختيارياً فلا يسبقه اعتبار. فلا يتوهم أنّ الإدراك أيضاً فعل إرادي أو مقدّماته الإعدادية ومن ثمّ لابدّ من اعتبار سابق عليه.
النقطة الثالثة: يتضح من المقدّمة السابقة ضرورة الإعتبار، و إنّ إرادات الموجود الإرادي وبالتالي أفعاله متوقفة عليه ومنبعثة عنه و أنّ ظاهرة الإعتبار ضرورة و لو كان الموجود يحيى حياة فردية لا اجتماعية، فهو ضرورة فردية مادام هذا الموجود يفعل و يسعى