سند الأصول، بحوث في أصول القانون و مباني الأدلة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٠٩ - أدلّة الإمتناع العقلي والجواب عنها
الوجه الرابع: لزوم إجتماع حكمين متماثلين، حرمة الفعل وحرمة التجري وهو محال. وفي تصورنا أنّ هذه الموانع يمكن مناقشتها جميعاً.
أمّا الأول:
١. فإننا لا نبحث في التجري عن خصوص حالة القطع، بل يعم الإحتمال والشك والظن المعتبر وغيره. وفي هذه الصور يمكنه الإلتفات لخطاب «لا تتجرّ» ويكون باعثاً له، فلو قامت البيّنة على أنّ هذا السائل خمر يبقى إحتمال عدم الخمرية قائماً، فيمكن حينئذ أن يلتفت لحرمة التجري فيكون زاجراً له عن شرب السائل.
٢. حتّى مع القطع يمكن تصوير الإلتفات والبعث، بعد الإلتفات إلى أنّ تشريع الأحكام الشرعية يكون بنحو كلّي والمخاطب عام، فالقاطع لم يخاطب بتشريع جزئي «لا تشرب هذا الخمر»، وإنما بقطعه يحقّق مصداقاً للتشريع العام.
فحرمة التجري [إن كانت] عامة وهي ملتفت إليها، وإن كان حسب فهم المكلّف أنه لا يتحقق لها مصداق مع القطع، ولكنّه إلى جانب علمه بالخطاب الكلّي «لا تتجرّ» وإلتفاته إليه وقطعِه بأنّ هذا السائل خمر ومن ثمّ فهو مصداق «لا تشرب»، هناك علم إجمالي تقديري أنّ هذا السائل المقطوع بخمريته حرام على كلّ حال؛ لأنّ قطعه إما طريقي مصيب فهو خمر، وإما صفتي فيصيب حرمة التجري.
ومثل هذا العلم كاف في تحقيق الإلتفات المشروط به بالبعث وفي تحقيق التنجيز نظير ما لو علم أنّ السائل هذا خمر ولكنّه جنباً إلى جنب علمه هذا، علم بنحو القضية الشرطية التقديرية أنّ السائل لا يخرج عن كونه خمراً أو متنجساً، ففي مثل هذه الحالة تتنجز حرمة شرب المتنجس. فلو تبيّن في الواقع أنه ليس خمراً وإنما متنجس كان عاصياً لحرمة «لا تشرب المتنجس».
٣. إنّ حقيقة الحكم الشرعي ليست مرهونة بالبعث والتحريك.