سند الأصول، بحوث في أصول القانون و مباني الأدلة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٩٩ - محاذير قبح التجري وأجوبتها
ومثله الحزن: فإنه مرهون بالمتعلّق بالذات، فإنّ الإنسان يحزن عندما يعرف بموت عزيز له وإن لم يكن ميّتاً في الواقع، فالحكم في مثل هذه منوط بالصفة النفسية بما هي هي لا بلحاظ الخارج. وواضح أنّ العلم المأخوذ صفتي.
كذا في العقل العملي، هناك أحكام اسندت للفعل أو الصفة بما هو له متعلّق بالذات [أي للجانحي بما هو هو لا بلحاظ الخارج] كقبح الظن السيء بالأخ وإن كان مصيباً، وقبح الخوف ومذمويته وإن لم يكن متعلّقه بالذات واقع خارجي، بل قد يختص الذم بحالة عدم المطابقة أحياناً، ومثله الخضوع والتسليم للّه سبحانه والإنقياد فإنه حسن في نفسه وإن لم يكن لمتعلّقه بالذات واقع وخارج.
إذا إتضح هذا نقول: إنّ الطغيان والتجري وإن كان تعلّقياً، إلّا أنه ينوجد بالمتعلّق بالذات لا بالعرض، والحكم بالقبح عليه أسند إلى أصل وجوده لا بلحاظ المتعلّق بالعرض الخارجي، وأصل وجوده ملتفت إليه وإختياري، والعلم فيه صفتي لا طريقي، وإن توهّمتْ النفسُ أنه طريقي، إلّا أنّ تأثيره بما هو صفة نفسية لا بما هو آلة.
فلا مشكلة تواجه حكمه من هذه الزاوية؛ فالفعل المحمول عليه القبح ليس فعلًا خارجياً ولا جانحياً منوطاً بالخارج، فهو إختياري لعدم تقيده بقيد عدم الإصابة غير الإختياري، والعلم الموضوع بما هو هو لا بما هو آلة ومعبِّر عن الخارج.
من هذا العَرضِ ينبثق هذا السؤال: أنه لا دور للفعل الخارجي حينئذ، وهو لا ينسجم مع ما تقدّم من أنّ له دوراً إعدادياً في إفاضة أفعال النفس وصفاتها.
وبعبارة اخرى: بعد أن كان الفعل الخارجي معدّاً كيف إنتهيتم إلى وجود الطغيان فقبحه فصفتية العلم مع عدم الفعل الموجب لذلك، ومن ثمّ كان التجري قبيحاً من دون معدّ؟ وهذا التساؤل هو إعادة أو صياغة اخرى للمحذور الخامس الذي أشرنا إليه.
والجواب: إنّ بعض الكمالات التي تفاض على النفس مرهونة