سند الأصول، بحوث في أصول القانون و مباني الأدلة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٦٧ - منهج الإدراك النظري هو البحث العقلي
العمل القلبي إنما هو لتأمين الحدّ الأدنى للعقيدة المنجي للإنسان، و ممّا تقدّم تتبلور العلاقة بين علمي المنطق و الأصول، و أنّ الثاني مكمّل للأول بالنسبة إلى الفكر والعلوم الدينية، و يمكن أن نحدّد زوايا التكميل ضمن:
١. إنّ المنطق يعني منهجية الفكر البشري بوضع موازين تؤمّن الحصول على إدراكات نظرية صحيحة، ولم يوجّه عنايته للإدراكات العملية ووضع موازين تؤمّن صحة تصرف القوى العملية في الانسان، فكان الرجوع في ذلك إلى الإعتبار الشرعي، ومعه احتجنا إلى الأصول الذي هو منهج فهم هذا الإعتبار و قوانينه.
٢. إنّ الكتاب والسنّة بإضافة العقل [بمقولاته البديهية والنظرية] مواد قياس ينتج المحمول والحكم الديني و اكتشاف مجهولات النظريات الدينية، و هذه المواد قد تتعارض و لم يعالج المنطق هذا التعارض، فَأخَذ الأصول على عاتقه وضع حلّ لهذه الإشكالية.
٣. اعتبار الظن كبديل للعلم، ومفردات الظن المعتبر، ومساحة الظن المعتبر و أنها تعمّ اصول الدين كلًا أو بعضاً أو تخصّ الفروع، و كذا مسألة التقليد و حدوده، لم تبحث في المنطق و إنما تبحث في علم الأصول.
و أمّا الفرق بين المنطق واصول الفقه بالنسبة للعقائد كالفرق بين الفلسفة والكلام [١]، فالكلام يطبّق المنهج المزدوج [العقل و النقل]
[١] . [س] إن علم الكلام كثيراً مّا يعتمد حكم العقل العملي [الحسن والقبح] حتّى أنّه يشكّل المسحة العامة، ابتداءً من فعل اللّه تعالى وانتهاءً إلى المعاد، بخلاف الفلسفة، فلماذا كانت هذه الظاهرة؟
[ج] صحيح، و إنّما ذلك لسهولتها وفهم العامة لها، وهو المنسجم مع وظيفة علم الكلام [والتي هي إرشاد الناس وتوجيههم]، و الملاحظ أنّهم استخدموا العقل العملي حتّى في بعض الصفات الذاتية، كما أنّ الفلسفة استعملت العقل النظري بدل العملي في فعل اللّه تعالى في بحث العناية الإلهية من دون ظهور ذلك فيحتاج إلى بيان، إضافة إلى أنّها أهملت البحث النظري في النبوة و الإمامة كبحثهم في الإلهيات.
إن قلت: إنّ العقل النظري أيضا فيه بديهيات، ومن ثمّ فهي واضحة للجميع كالعقل العملي؟
قلت: إنّ واحدة من الأسباب وراء استخدام الكلام للعقل العملي دون النظري مع أنّ فيه بديهيات يفهمها الجميع، هو أنّ الربط نظري والتعميم إلى المجردات يحتاج إلى تجرّد، بالإضافة إلى أنّ الإنسان ذو عقل جمعي فينسجم مع المشهورات.
[س] في العقل العملي غاية ما يثبت أنّه لا ينبغي بالنسبة للّه تعالى ولكنّه لا يعني الوقوع والالتزام منه سبحانه، فكيف نثبت ذلك؟
[ج] من خلال مقدمة تتدرج في العقل النظري و هي أنّه كمال مطلق ولا نقص فيه، وعدم فعله لما ينبغي نقص.
[س] إذن من هذه المقدمة نواصل إثبات الصفات والعقائد؟
[ج] هكذا فعل الفلاسفة وهو طريق شبيه باللمّ، ولكن علماء الكلام اعتمدوا طريق الإنّ من خلال الحسن والقبح.