سند الأصول، بحوث في أصول القانون و مباني الأدلة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٩٥ - ٣ كلام العلّامة الطباطبائي في الإعتبار (شرح النظرية الثالثة)
باتجاه كماله بتوسط إرادته، و إرادته لا تنوجد إلّا من خلال معلوم لا تَحصُّلَ له في الخارج، و ما ذكرناه لا يخصّ الإنسان بل يعمّ كلّ موجود إرادي كما ألفتنا، و الحسن والقبح قسم من هذا الإعتبار.
النقطة الرابعة: يتضح من المقدمة السابقة أنّ الموجود الإرادي يعيش بالعلم و يفعل بالعلم.
و توضيحه: إنّ الإنسان بادئ بدء وجد أنّ هناك موجودات خارجية فتعامل معها، وفجأة وجد نفسه يخطئ، فعرف أنّ ارتباطه بالخارج ليس بالمباشرة و إنما بتوسط الصورة التي تحكي الخارجيات، و إلّا لما كان يصيب ويخطئ، و من ثمّ كان الإنسان موجوداً علمياً، أي يتحرّك من خلال معلوماته، وإرادتُه تنبعث من المعلومات، وتحديداً من المعلومات الوهمية غير الموجودة.
النقطة الخامسة: الإعتبار الأول الذي منه اكتشف الإنسان هذا العالم الجديد و التي كانت منه البداية؛ هو أنّ الإنسان حينما يلحظ أعضاءه يجد أنها ضرورة لبدنه، و هذه العلاقة المكتشفة علاقة حقيقية، و حينما ينظر إلى الغذاء الذي يأكله يشعر بنفس الشعور، و أنّ إنتسابه لبدنه ضروري، و أنه جزء منه على حدّ الأعضاء، وهذا هو أول وهم وخطأ [أو من أوائل الأخطاء] يرتكبه الإنسان، حيث أنّ الجوع أمر حقيقي يكون منشأ لأمر اعتباري وهو الضرورة والوجوب توهّمه الإنسان أنه حقيقة. فالإعتبار الأول كان عبارة عن إستعارة وهمية للوجوب والضرورة من نسبة الضرورة الخارجية بسبب الجوع الحقيقي وما شاكل؛ بعدها حصلت مجموعة من هذه الإعتبارات يستهدف بها الإنسان تنظيم حاجاته، واستثمار جهد الآخرين، وتنظيم غرائزه، وحفظ توازن القوى في الأسرة والمجتمع كمفهوم الملك والحق. و الإرادة تتولّد من هذه الإعتبارات من دون فرق بين كونها شرعية أو اعتبارات قانونية.
النقطة السادسة: يلاحظ أنّ الإعتبار المشار إليه يتوسط أمرين حقيقيين: هما النقص والكمال؛ النقص الحاصل الذي يكون منشأ