سند الأصول، بحوث في أصول القانون و مباني الأدلة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٨٦ - مناقشة الدليل الثالث
فإنها وإن كانت كذلك ولكنّها بدواعٍ عقلية، فهناك شهوة حيوانية منبعثة عن العقل، وغضب حيواني منبعث عن رؤية وعمل عقلي.
فالصحيح ما ذكره المتقدّمون من أنّ للعقل عملًا وبعثاً وزجراً وأمراً ونهياً جنباً إلى جنب إدراكه.
ولكن الصورة لم تكتمل ومن ثمّ كانت بحاجة إلى مزيد من الايضاح:
إنّ قوّة العقل النظري تمثّل درجة ومرتبة من مراتب النفس تكون قابلًا ومحلًا وموضوعاً للإدراك، الذي يوجده فيها العقل المجرّد، وقوّة العقل العملي تمثّل درجة أدنى تكون قابلًا ومحلًا وموضوعاً للإذعان الذي هو فعل الدمج الذي يوجده فيها العقل النظري ومن ثمّ يتّضح أنّ هذه القوّة عمّالة فقط لا درّاكة في قبال القوّة النظرية التي هي درّاكة فقط لا عمّالة.
ونؤكّد أنّنا حينما نقول قوّة العقل النظري وقوّة العقل العملي لا نعني إلّا المحلّ القابل للإدراك في الأوّل، والقابل لفعل النفس [الحكم] في الثاني.
وحينما يقال عن الإدراك والحكم أنهما فعلا القوّة النظرية والعملية، لا يقصد منه أنّ القوّة النظرية فاعل الإدراك وأنّ القوّة العملية فاعل الحكم، وإنما يقصد أنهما فعلان لهاتين القوّتين المطاوعتين، بمعنى أنّ الإدراك فعل القوّة النظرية بنحو القبول وأمّا الفاعل فهو العقل المجرّد وأنّ الحكم فعل القوّة العملية المطاوعي بنحو القبول، وأمّا فاعله فهو القوّة النظرية بواسطة الإدراك. والفعل المطاوعي نظير التألّم الذي هو فعل النفس المتألّمة بنحو القبول ولكن فاعله وموجده هو الضارب.
وبتعبير آخر: الفعل المطاوعي هو المسبّب التوليدي ولكن بقيد حلوله في محلّ منفعل، وهو يكون في صورة مطاوعة وانصياع القوّة الدانية للقوّة العالية كانصياع قوّة العقل العملي لقوّة العقل النظري، أما لو تمرّدت النفس في هذه الدرجة وجمحت، فإنّ الفاعل