سند الأصول، بحوث في أصول القانون و مباني الأدلة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٠٤ - الإعتبار الإلهي
وبعبارة أخرى: الإرادة لا تنطلق من الإعتبار بما هو هو، وإنما تنطلق من الإعتبار بما هو كاشف عن الحقائق. والإعتبار أكثر ما يتّصل، يتّصل بقوّة العقل العملي. فأهمية الإعتبار من جهة أنه فعل من الأفعال قد يمارس من قبل النفس البشرية وبتوسط قوّة العقل العملي التي لديها، ومن الحيثية الفلسفية يلجأ الفيلسوف في تحقيق هذه الظاهرة الموجودة لدى الفاعل الإرادي الانساني؛ ومن ههنا تظهر الضرورة الملجئة للفيلسوف في البحث عن الإعتبار وأقسامه.
وهناك وجه آخر أو إلجاء آخر له للبحث عن الإعتبار، هو أنه كثير من الحقائق ربّما تختلط لدى النفس بين كونها قضايا إعتبارية، لا الإعتبار الفلسفي بالمعنى الأخصّ الذي له منشأ نفس أمري، بل الذي بمعنى مطلق ما ليس له واقع يطابقه ومنشأ يؤخذ إذ كثيراً ممّا تختلط الحقائق بهذه الامور الإعتبارية، فمن ثمّ تميّزها أمر بالغ الأهمية وكما نبّهت الفلسفة الإسلامية إلى اختلاط القضايا الذهنية الحقيقية مع الحقيقية الخارجية وكان مورداً لتشويش الكثير من الأبحاث فيالمعارف البشرية، كذلك اختلاط القضايا الإعتبارية مع القضايا الحقيقية أصبح مورداً لتشويش الكثير من المسائل في المعارف البشرية، فلابدّ من التمييز بين القضايا الإعتبارية والحقيقية، ثمّ بين الحقيقية الذهنية والحقيقية الخارجية.
وقد ركّزت في الفلسفة جهوداً كثيرة بتمييز القضايا الحقيقية الذهنية عن الخارجية، والسبب في أهمّية ذلك هو أنّ القناة التي يستلم الإنسان منها معلوماته هي عبر قناة ذهنه في علومه الحصولية، فإذا لم يبيّن ما هو من مختصّات رواسب القناة وخصوصيّات الوجود الذهني وما هو آتٍ عبر القناة وما هي الصورة للوجود الخارجي لم يميّز بين أحكام الوجود الذهني وأحكام الوجود الخارجي وكثير من الإشتباهات نشأت من الخطأ بينهما وأحكامهما. وهذه الأهمّية نفسها ثابتة للبحث عن الإعتبار.
ثمّ قال في المقالة الثانية: إنّ الفاعل الإرادي كيف تتولّد إرادته