سند الأصول، بحوث في أصول القانون و مباني الأدلة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٠٢ - ٣ كلام العلّامة الطباطبائي في الإعتبار (شرح النظرية الثالثة)
وأكثر الفلاسفة مالوا إلى رأي ابن سينا وأنه يكفي في كون القضية حقيقية أنّ جهة عقد الوضع إمكانية.
وههنا نقول: القضية الحقيقية قد تكون جهة عقد وضعها جهة إمكانية، فضلًا عن جهة قضية الأمّ التي قد تكون أيضاً إمكانية، ومع ذلك تبقى القضية حقيقية؛ فلا تحصر القضايا الحقيقية في الخارجية، فضلًا عن الخارجية في الموضوع الحاضر أو الماضي الوجود، بل أنّ القضايا الحقيقية تسع الممتنعات، مثل: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا) [١] فالتلازم الموجود بين الممتنعات واقعي، ويشير إليه جواب الرضا (ع) عن «هل يعلم ربك بالممتنعات أو المحالات؟» فقال (ع): «يَعْلَمُ حَتّى بِلوازِم الممتَنِعات»؛ فالقضايا غير البتية حقيقية أيضاً.
فالإرادة البشرية لا تنطلق لتحصل الموجود الحاضر أو الماضي، لكن ذلك لا يلزمه انبعاثها من القضايا الإعتبارية؛ لأن ما يبقى من القضايا غير الخارجية هو القضايا الحقيقية بلحاظ الوجود الإستقبالي.
فالصدق جميل أو حسن، الكذب قبيح، هذه قضية مثلًا الإرادة تسعى لتحصيل الصدق والصدق غير موجود في الخارج، لكن لا يستلزم ذلك كون القضية إعتبارية! فعدم وجود الشيء محقّقاً في الخارج لا يعني أنّ القضية إعتبارية. فالقضايا الحقيقية موضوعها مقدر موجود.
أمّا ضرورة الحاجة إلى قانون إعتباري [سواء سماوي أو بشري عند المتكلّمين والأصوليين من الإمامية] هو أنّ العقل العملي لمّا كان يقتصر إدراكه على القضايا الكلّية الفوقانية فى الحسن والقبح، مثل «الظلم قبيح والعدل حسن» أو الكلّيات المتوسّطة القريبة للعالي، مثل «الصدق حسن والكذب قبيح»، وكذلك في الفضائل والراذئل الخلقية، العقل المحدود البشري تخفى عليه جهات الحسن والقبح فى الجزئيّات المادون، مثلًا قضية «أنّ في القمار قبحاً» ليست من
[١] . الأنبياء/ ٢٢